لَمَّا رَأَيْتُ فِي نَفْسِي وَإِخْوَانِي ، وَفِي أُمَّتِي عَامَّةً حَالَةً مِنْ جُمُودِ الْعَيْنِ ، وَقَسْوَةِ الْقَلْبِ ، وَطُغْيَانًَا لِلْحَيَاةِ الْمَادِيَّةِ عَلَى كَثِيْرٍ مِنْ أَبْنَاءِ أُمَّةِ الإِسْلامِ فِي ظِلِّ الْمَشَاغِلِ الْحَيَاتِيَّةِ ، فَبَدَلًا مِنْ أَنْ يُنْتِجَ التَّطَوُرُ وَالتَّحَضُرُ آلَةً تَعْمَلُ كَالإِنْسَانِ أَنْتَجَ إِنْسَانًَا يَعْمَلُ كَالآلَةِ ، فَاشَتَغَلَ النَّاسُ بِالدُّنْيَا الَّتِي قَالَ عَنْهَا الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ - صلى الله عليه وسلم -: { أَلا إِنَّ الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ ، مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إِلاَّ ذِكْرُ اللهِ ، وَمَا وَالاهُ ، وَعَالِمٌ أَوْ مُتَعَلِّمٌ } .
أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ ، وَقَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ، وَتَرَكُوا الآخِرَةَ ، وَنَسَوْهَا ، بَلْ تَنَاسَوْهَا ، لأَجَلِ مُوَاكَبَةِ الْحَضَارَةِ - زَعَمُوا - .
وَيَسَّرَ اللهُ لِيَ الْوُقُوفَ عَلَى مَخْطُوطٍ لِلإِمَامِ الْحَافِظِ جَلالِ الدِّينِ السُّيُوطِيِّ ، حَافِظِ عَصْرِهِ ، وَوَحِيدِ أَوَانِهِ وَمِصْرِهِ ( ت(911هـ) ، بِعُنُوانِ { الْبُدُور السَّافِرَة فِي أُمُورِ الآخِرَةِ } ، ذَكَرَ فِيهِ مَا فِي الآخِرَةِ مِنْ أُمُورٍ ، وَأَحْوَالٍ ، وَأَهْوَالٍ ، وَنَعِيْمٍ ، وَعَذَابٍ ، وَثَوَابٍ ، وَعِقَابٍ . وَهَذَا - كَمَا لا يَخْفَى عَلَى الْعُقَلاءِ - سَبِيلٌ عَظِيمٌ لِرِقَّةِ الْقَلْبِ ، وَاسْتِدْرَارِ دَمْعِ الْعِينِ .