نفسك إذا لم يؤمنوا بك، يعني لا تبالي بهم؛ بل أعرض عنهم فيما يحصل منهم من أذى، فإن العاقبة لك، وفعلًا صارت العاقبة للرسول عليه الصلاة والسلام، صبر وظفر.
فإنه عليه الصلاة والسلام خرج من مكة مهاجرًا مختفيا، يخشى على نفسه، قد جعلت قريش لمن يأتي به وبصاحبه أبي بكر مائتين من الإبل، عن كل واحد مائة، ولكن الله تعالى أنجاهما، وبعد مضي سنوات قليلة رجع النبي عليه الصلاة والسلام فاتحًا مكة ظافرًا مظفرًا، كانت له المنة على الملأ من قريش، حتى وقف على باب الكعبة يقول:"يا معشر قريش، ما ترون إني فاعل بكم؟"كلهم تحته أذلة، قالوا: خيرًا. أخ كريم وابن أخ كريم، قال:"فإني أقول لكم كما قال يوسف لإخوته: لا تثريب عليكم اليوم، يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين، اذهبوا فأنتم الطلقاء. فمن عليهم عليه الصلاة والسلام بعد أن كان قادرًا عليهم."
فالحاصل: أن قوله (وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) يشمل أمرين: أعرض عن المشركين لا تهتم بحالهم إذا لم يؤمنوا ولا تحزن عليهم، وأعرض عن المشركين فيما يحصل لك من أذى، فإنه سوف تكون العاقبة لك، وهذا هو الواقع، ولهذا قال بعد الآية نفسها: (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئينَ) (الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا