يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم والله يعطي )) متفق عليه.
202 - (5) وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( الناس معادن كمعادن الذهب والفضة،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أي خيرًا كثيرًا عظيمًا. (يفقه في الدين) بتشديد القاف وسكون الهاء؛ لأن الموصول متضمن معنى الشرط، أي يجعله عالمًا بالشريعة. والفقه في الأصل الفهم، يقال: فقه الرجل - بالكسر - إذا فهم وعلم، وفقه - بالضم - إذا صار فقيهًا عالمًا، وجعله العرف خاصًا بعلم الأحكام الشرعية العملية، وحمله على أصل اللغة أولى ليشمل فهم كل علم من علوم الدين، ويلائم تنكير"خيرًا"، والفقه في الدين الذي أريد بمن يعطه الخير، هو العلم الذي يورث الخشية في القلب، ويظهر أثره في الجوارح، ويترتب عليه الإنذار، كما يشير إليه قوله تعالى: {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة} الآية [122:9] . (وإنما أنا قاسم) أى للعلم (والله يعطى) أي الفهم في العلم، هو من باب قصر القلب إن اعتقد السامع أنه معط لا قاسم، أي ما أنا إلا قاسم لا معطٍ، ومن قصر الإفراد إن اعتقد أنه قاسم ومعطٍ أيضًا، أي لا شركة في الوصفين أي بل أنا قاسم فقط. ولما كان فقه الصحابة متفاوتًا لتفاوت الأفهام أعلم بقوله: إنما أنا قاسم، الخ. أن هذا التفاوت ليس مني، وإنما الذي هو مني القسمة بينكم، يعني تبليغ الوحي إليكم من غير تخصيص بأحد، والتفاوت في أفهامهم من الله تعالى؛ لأنه هو المعطي، يعطي الناس على قدر ما تعلقت به إرادته في الأزل، لأن {ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء} [4:62] . وقد كان بعض الصحابة يسمع الحديث فلا يفهم منه إلا الظاهر الجلي، ويسمع آخر منهم أو ممن أتى بعدهم فيستنبط منه مسائل كثيرة، وقيل: أراد به قسمة المال، لكن سياق الكلام يدل على الأول، وظاهره يدل على الثاني؛ لأن القسمة حقيقية تكون في الأموال، ولذا أخرجه مسلم في قسم الصدقات، والبخاري في الخمس أيضًا، ووجه المناسبة بما قبله أنه - صلى الله عليه وسلم - خص بعضهم بزيادة مال لمقتض، فتعرض بعض من خفي عليه المقتضى بأن هذه قسمة فيها تخصيص لناس، فعرض - صلى الله عليه وسلم - بأنه من أريد به الخير يفهم في أمور الدين، لا يخفى عليه المقتضى، ولا يتعرض لما ليس على وفق خاطره، إذ الأمر كله لله، وهو الذي يعطي ويمنع، وهو الذي يزيد وينقص، والنبي - صلى الله عليه وسلم - قاسم وليس بمعط، حتى ينسب إليه الزيادة والنقصان. والحصر إضافي رد لمن توهم أنه المعطي، والأظهر أنه لا منع من الجمع بين الوجهين. (متفق عليه) وأخرجه أيضًا أحمد، وروى نحوه عن ابن عباس عند أحمد والترمذي. وعن أبي هريرة عند ابن ماجه، وأبي يعلى، والطبراني، وعن ابن مسعود عند البزار، والطبراني في الكبير، وعن ابن عمر عند ابن أبي عاصم في كتاب العلم.
202-قوله: (الناس معادن) المعدن المستقر، من عدنت البلد إذا توطنته، ومنه معدن لمستقر الجواهر، و"معادن"خبر المبتدأ، ولا يصح حمله إلا بأحد الوجهين: إما على التشبيه، كقولك زيد أسد. وحينئذٍ يكون (كمعادن الذهب والفضة) بدلًا منه أي الناس كمعادن الذهب والفضة، وإما على أن المعادن مجاز عن التفاوت، فالمعنى: أن الناس متفاوتون في النسب بالشرف والضعة، مثل تفاوت المعادن في الذهب والفضة وما دونهما، يدل عليه قوله: عليه الصلاة والسلام في حديث آخر: (( فعن معادن العرب تسألوني ) ). أي أصولها التي ينسبون إليها ويتفاخرون بها، وإنما جعلت معادن