إنكم لا ترثون لها، بل ترثون لأنفسكم، ولا تبكون عليها، بل على أيام قضيتموها في ديار يسيل جوها تبرجًا [1] وسفورًا، ويتدفق خلاعة واستهتارًا، وتودون بجدع الأنف [2] لو ظفرتم بذلك العيش الذي خلفتموه هناك.
لقد كنا، وكانت العفة في سقاء [3] من الحجاب موكوء [4] ، فما زلتم به تثقبون في جوانبه، كل يوم ثقبًا، والعفة تتسلل منه قطرة قطرة حتى تقبض وتكرش [5] ، ثم لم يكفكم ذلك منه حتى جئتم اليوم تريدون أن تحلوا وكاءه حتى لا تبقى فيه قطرة واحدة.
عاشت المرأة المصرية حقبة من دهرها مطمئنة في بيتها، راضية عن نفسها وعن عيشها، ترى السعادة كل السعادة في واجب تؤديه لنفسها، أو وقفة تقفها بين يدي ربها، أو عطفة تعطفها على ولدها، أو جلسة تجلسها إلى جارتها تبثها ذات نفسها [6] ، وتستبثها [7] سريرة قلبها، وترى الشرف كل الشرف في خضوعها لأبيها وائتمارها بأمر زوجها، ونزولها عند رضاهما.
(1) التبرج: التزين.
(2) جدع الأنف: قطعه منها المثل «لأمر ما جدع قصير أنفه» وهو مثل يضرب لمن يحمل نفسه على مشقة عظيمة للظفر ببغيته.
(3) السقاء: وعاء من جلد للماء واللبن ونحوهما.
(4) موكوء: مربوط.
(5) تقبض وتكرش: تكمش.
(6) تبثها ذات نفسها: تطلعها على سرها.
(7) تستبثها: تطلب منها أن تطلعها على سرها وما يشغلها.