فهرس الكتاب

الصفحة 92 من 817

ومن ذلك ما رواه ابن مجاهد عن رَوْح1 عن أبي السمال أنه قرأ:"أَوْ كُلَّمَا عَهِدُوا"2 ساكنة الواو.

قال أبو الفتح: لا يجوز أن يكون سكون الواو في"أو"هذه على أنه في الأصل حرف عطف كقراءة الكافة:"أوَكلما"؛ من قِبَل أن واو العطف لم تُسكن في موضع علمناه، وإنما يسكن بعدها مما يُخلَط معها فيكونان كالحرف الواحد، نحو قول الله تعالى:"وَهْوَ اللَّه"3، وقوله سبحانه:"وَهْوَ وَلِيُّهُم"4 بسكون الهاء، فأما واو العطف فلا تسكن من موضعين:

أحدهما: أنها في أول الكلمة، والساكن لا يبتدأ به.

والآخر: أنها هنا وإن اعتمدت5 على همزة الاستفهام قبلها فإنها مفتوحة، والمفتوح لا يسكن استخفافًا"20ط"إنما ذلك في المضموم والمكسور نحو: كرْم زيد وعلْم الله، وقد مضى ذكر ذلك، فإذا كان كذلك كانت"أو"هذه حرفًا واحدًا، إلا أن معناها معنى بل للترك والتحول بمنزلة أم المنقطعة، نحو قول العرب: إنها لأبل أم شاء؛ فكأنه قال: بل أهي شاء؟ فكذلك معنى"أو"هاهنا، حتى كأنه قال:"وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ بل كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ"، يؤكد ذلك قوله تعالى من بعده: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُون} ، فكأنه قال:"بل كلما عاهدوا عهدًا.... بل أكثرهم لا يؤمنون".

و"أو"هذه التي بمعنى أم المنقطعة -وكلتاهما بمعنى بل- موجودة في الكلام كثيرًا، يقول الرجل لمن يتهدده: والله لأفعلن بك كذا، فيقول له صاحبه: أَوْ يُحسن الله رأيك، أو يغير الله ما في نفسك؛ معناه: بل يحسن الله رأيك، بل يغير الله ما في نفسك، وإلى نحو هذا ذهب الفراء في قول ذي الرمة:

بدت مثلَ فرنِ الشمس في رَونَقِ الضُّحى ... وصورتِها أو أنت في العين أملحُ6

1 في طبقات القراء لابن الجزري 1/ 285، 286: روح بن عبد المؤمن أبو الحسن الهذلي مولاهم البصري النحوي، وفيها أيضًا:"روح بن قرة البصري، وقال الداني: إنه غير روح بن عبد المؤمن، وتبعه في ذلك الذهبي، وقال الأهوازي: هو ابن عبد المؤمن بن قرة بن خالد البصري، قال ابن الجزري: إن صح ما ذكره الأهوازي في نسب روح بن عبد المؤمن يكونان واحدًا، ويكون ابن قرة نسب إلى جده، وإلا فهما اثنان، وهذا هو الصحيح".

2 سورة البقرة: 100.

3 سورة الأنعام: 3.

4 سورة الأنعام: 127، وفي نسختي الأصل: وهو وليه، وما أثبتناه هو الصواب.

5 في ك: واو اعتمدت.

6 لم أعثر عليه في ديوانه،, ويرويه الفراء في معاني القرآن 1/ 72 غير منسوب. وانظر: الخصائص: 2/ 458.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت