[النحل/98-101] ، وَقَالَ تَعَالَى: { الَّذِينَ آَمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (76) } (1) [النساء/76] ، وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا} (2) (50) سورة الكهف ، وَقَالَ تَعَالَى: { وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (119) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (120) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (121) (3) [النساء/119-121] } . وقال تَعَالَى: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174) إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (175) (4)
(1) - الذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ إِعْلاَءِ كَلِمَةِ اللهِ ، وَنَشْرِ دِينِهِ ، لاَ يَبْتَغُونَ غَيْرَ رِضْوَانِ اللهِ . أمَّا الذِينَ كَفَرُوا ، فَإِنَّهُمْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الشَّيْطَانِ ( الطَّاغُوتِ ) ، الذِينَ يُزَيِّنُ لَهُمُ الكُفْرَ ، وَيُمَنِّيهِمُ النَّصْرَ . وَكَيْدُ الشَّيْطَانِ ضَعيفٌ ، وَهُوَ لاَ يَسْتَطِيعُ نَصْرَ أَوْلِيَائِهِ . أمَّا أَوْلِيَاءُ اللهِ فَهُمُ الأَعِزَّةُ ، لأنَّ اللهَ حَامِيهِمْ وَنَاصِرُهُمْ وَمُعِزُّهُمْ ، وَلِذَلِكَ فَعَلَى المُؤْمِنِينَ ، أَوْلِيَاءِ اللهِ ، أنْ لاَ يَخَافُوا أَعْدَاءَهُمُ الكُفَّارَ ، لأنَّ العَاقِبَةَ لِلْمُؤْمِنِينَ المُخْلِصِينَ .
(2) - يُنَبِّهُ اللهُ تَعَالَى بَنِي آدَمَ إِلَى عَدَاوَةِ إِبْلِيسَ لَهُمْ ، وَلأَبِيهِمْ آدَمَ ، قَبْلَهُمْ ، وَيُقَرِّعُهُمْ عَلَى اتِّبَاعِ إِبْلِيسَ ، وَمُخَالَفَةِ الخَالِقِ . وَيَقُولُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ الكَرِيمِ: اذْكُرْ لِقَوْمِكَ إِذْ قَالَ اللهُ لِلْمَلاَئِكَةِ: اسْجُدُوا لآدَمَ ، اعْتِرَافًا بِفَضْلِهِ ، وَاعْتِذَارًا عَمَّا قَالُوهُ بِحَقِّهِ: { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدمآء } . فَامْتَثَلُوا جَمِيعًا لأَمْرِ رَبِّهِمِ الكَرِيمِ ، إِلاَّ إِبْلِيسَ ، الَّذِي كَانَ مِنَ الجِنِّ ، فَامْتَنَعَ عَنِ السُّجُودِ ، وَخَرَجَ عَنْ أَمْرِ اللهِ ( فَسَقَ ) ، وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: إِنَّ اللهَ خَلَقَهُ مِنْ نَارٍ ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّهُ لَنْ يَسْجُدَ لِمَخْلُوقٍ خَلَقَهُ اللهُ مِنَ الطِّين ، وَإِنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ آدَمَ . فَكَيْفَ تَتَّخِذُونَ ، يَا بَنِي آدَمَ ، هَذا العَدُوَّ لَكُمْ ، هُوَ وَذُرِّيَتَهُ ، أَوْليَاءَ لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ ، وَتُطِيعُونَ أَوَامِرَهُمْ ، وَهُمْ عَلَى مَا عَرَفْتُمُوهُمْ عَلَيْهِ مِنَ العَدَاوَةِ لآدَمَ وَذُرِّيَّتِهِ ، فَبِئْسَ مَا فَعَلْتُمْ { بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا } .
(3) - وَمَنْ يَتَّخِذَ الشَّيْطَانَ وَلِيًا لَهُ مِنْ دُونِ اللهِ يَخْسَرِ الدُّنيا وَالآخِرَةِ وَتِلْكَ خَسَارَةٌ لاَ جَبْرَ لَهَا ، وَلاَ اسْتِدْرَاكَ لِفائِتِهَا .
يُخَوِّفُ الشَّيْطَانُ النَّاسَ مِنَ الفَقْرِ إذَا هُمْ أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ، وَيُوَسْوِسُ لَهُمْ بِأَنَّ أَمْوَالَهُمُ تَنْفَدُ أَوْ تَنْقُصُ ، وَيُصْبحُونَ فُقَرَاءَ أَذِلاَّءَ ، وَيَعِدُهُمْ بِالغِنَى وَالثَّرْوَةِ حِينَ يُغْرِيهِمْ بِلَعبِ القِمَارِ وَيُمَنِّيهِمْ بِأنَّهُمُ الفَائِزُونَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ، وَقَدْ كَذَبَ وَافْتَرَى فِي ذَلِكَ فَوُعُودُهُ بَاطِلَةٌ .
وَهَؤُلاءِ المُسْتَحْسِنُونَ لِمَا وَعَدَهُمْ بِهِ الشَّيْطَانُ ، وَمَنَّاهُمْ بِهِ ، سَيَكُونُ مَأْوَاهُمْ وَمَصِيرُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ فِي جَهَنَّمَ ، وَلَنْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا وَلاَ خَلاَصًا .
(4) - وَخَافَتْ قُرَيشٌ أنْ يَجْمَعَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أهْلَ المَدِينَةِ مِمَّنْ لَمْ يَشْتَرِكُوا فِي المَعْرَكَةِ ، وَيَخْرُجَ وَرَاءَهُمْ ، فَأَرْسَلُوا إلَيهِ بَعْضَ نَاقِلِي الأخْبَارِ لِيُهَوِّلُوا عَلَيهِ ، لِيَكُفَّ عَنِ اللِّحَاقِ بِهِمْ ، وَقَالَ نَاقِلُوا الأَخْبَار لِلْمُسْلِمِينَ: إنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ ( النَّاسَ ) قَدْ حَشَدُوا لَكُمْ ، وَجَمَعُوا قُوَاهُمْ ، فَاحْذَرُوهُمْ ، وَاخْشَوْهُمْ ، فَلَمْ يَزِدْ هَذَا القَوْلُ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ - الذِينَ اسْتَجَابُوا لِلْرَسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ القَرْحُ وَخَرَجُوا مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مُلَبِّينَ دَعْوَتَهُ ، رَاغِبِينَ فِي نَيْلِ رِضْوَانِ رَبِّهِمْ وَنَصْرِهِ - إلاَّ إِيمَانًا بِرَبِهِمْ ، وَثِقَةً بِوَعْدِهِ وَنَصْرِهِ وَأجْرِهِ ، وَرَدُّوا عَلَى مُخَاطِبِيِهِمْ قَائِلِينَ: إِنَّهُمْ يَتَوَكَّلُونَ عَلَى اللهِ ، وَهُوَ حَسْبُهُمْ .
فَلَمَّا تَوَكَّلُوا عَلَى اللهِ كَفَاهُمُ اللهُ مَا أَهَمَّهُمْ وَأَغَمَّهُمْ ، وَرَدَّ عَنْهُمْ بَأسَ النَّاسِ ( الكَافِرِينَ ) ، فَرَجَعُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوْءٌ ، وَقَدْ فَازُوا بِرِضْوَانِ اللهِ ، وَعَظِيمِ فَضْلِهِ ، وَاللهُ وَاسِعُ الفَضْلِ
( خَرَجَ المُسْلِمُونَ مَعَ الرَّسُولِ إلى مَوْقِعٍ يُعْرَفُ بِحَمْراءِ الأَسَدِ ، وَأرْسَلَ إلى المُشْرِكِينَ رُسُلًا يُحَذِّرُونَهُمْ ، فَخَافَتْ قُرَيْشٌ وَتَابَعَتْ سَيْرَهَا نَحْوَ مَكَّةَ ) .
وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ قَدْ وَاعَدَ َرسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَدْرًا مِنَ العَامِ القَابِلِ ، فَخَرَجَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِالْمُسْلِمِينَ إلَى بَدْرٍ فِي المَوْعِدِ المُحَدَّدِ ، وَتَخَلَّفَتْ قُرَيْشٌ ، فَاشْتَرَى رَسُولَ اللهِ عِيْرًا مَرَّتْ بِهِمْ فِي المَوْسِمِ ، ثُمَّ بَاعَهَا فَرَبِحَ ، وَوَزَّعَ الرِّبْحَ عَلَى أَصْحَابِهِ ، فَانْقَلَبُوا مِنْ غَزْوَةِ بَدْرٍ الثَّانِيَةِ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ ، وَنَالُوا رِضْوَانَ اللهِ ، وَحَصَلُوا عَلَى فَضْلِهِ فِي الرِّبْحِ . وَاللهُ عَظِيمُ الفَضْلِ عَلَى عِبَادِهِ .
يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنِينَ ، أنَّ الشَّيْطَانَ هُوَ الذِي يُخَوِّفُكُمْ مِنْ أَوْلِيَائِهِ المُشْرِكِينَ ، وَيُوهِمُكُمْ أَنَّهُمْ ذَوُو بَأْسٍ وَقُوَّةٍ ، وَهُوَ الذِي قَالَ لَكُمْ إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ ، فَلاَ تَخَافُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ ، وَتَوَكَّلُوا عَلَى اللهِ ، وَالْجَؤُوا إِلَيهِ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ حَقًّا ، فَإِنَّهُ كَافِيكُمْ إِيَّاهُمْ ، وَنَاصِرُكُمْ عَلَيْهِمْ . وَخَافُوهُ هُوَ فَهُوَ القَادِرُ عَلَى النَّصْرِ وَعَلَى الخُذْلاَنِ ، وَعَلَى الضَّرِّ وَالنَّفْعِ .