فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 322

والأحاديث والآثار وأقوال السلف والخلف في هذا الباب أكثر من أن تحصر، فيكتفي بما أشرنا إليه وسترى في هذا الباب جملًا من ذلك وباقي الكتاب إن شاء الله تعالى.

الرد على المعتزلة بإنكارهم خرق العادة

قال الإمام أبو المعالي إمام الحرمين:

"الذي صار إليه أهل الحق، جواز انخراق العادة في حق الأولياء".

وأطبقت المعتزلة على إنكار ذلك. ثم من أهل الحق من صار إلى أن الكرامة الخارقة للعادة، شرطها أن تجري من غير إيثار واختيار من الولي، وصار هؤلاء إلى أن الكرامة تفارق المعجزة من هذا الوجه. قال الإمام: وهذا القول غير صحيح.

وصار آخرون منهم إلى تجويز وقوع الكرامة على حكم الاختبار، ولكنهم منعوا وقوعها على مقتضى الدعوى فقالوا: لو ادعى الولي الولاية، واعتضد في إثبات دعواه بما يخرق العادة، فكان ذلك ممتنعًا، وهؤلاء فرقوا بهذا بين الكرامة والمعجزة.

قال: وهذه الطريقة غير مرضية أيضًا قال: ولا يمتنع عندنا ظهور خوارق العوائد مع الدعوى المفروضة. قال: وصار بعض أصحابنا إلى أن ما وقع معجزة لنبي لا يجوز تقدير وقوعه كرامة لولي.

فيمتنع عند هؤلاء أن ينفلق البحر، وتنقلب العصا ثعبانًا، ويحيى الموتى إلى غير ذلك من آيات الأنبياء كرامة لولي.

قال الإمام: وهذه الطريقة غير سديدة أيضًا .

قال: والمرضي عندنا جواز خوارق العادات في معارض الكرامات. قال: وغرضنا من إبطال هذه المذاهب والطرق، إثبات الصحيح عندنا.

المعجزةُ والكرامةُ لا يفترقانِ

قال: وأما الفرق بين المعجزة والكرامة، فلا يفترقان في جواز العقل إلا بوقوع المعجزة على حسب دعوى النبوة، ووقع الكرامة دون ادعاء النبوة.

قال الإمام: وقد جرى من الآيات في مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لا ينكره منتم إلى الإسلام، وذلك قبل النبوة والانبعاث، والمعجزة لا تسبق دعوى النبوة، فكان كرامة.

قال: فإن زعم متعسف أن الآيات التي استدللنا بها كانت معجزات لنبي كل عصر، فذلك اقتحام منه للجهالات.

فإنا إذا بحثنا عن الأعصار الخالية، لم نجد الآيات التي تمسكنا بها مقترنة بدعوة نبوة، ولا وقعت عن تحدي متحد.

فإن قالوا: وقعت للأنبياء دون عوامهم، قلنا: شرط المعجزة: الدعوى؛ فإذا فقدت كانت خارقة للعادة، كرامة للأنبياء، ونجعل بذلك غرضنا في إثبات الكرامات.

ولم يكن وقت مولد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم نبي تستند إليه آياته.

قال الإمام: فقد وضحت الكرامات جوازًا ووقوعًا، سمعًا وعقلًا.

الفرقُ بين السحرِ والكرامةِ

قال الإمام وغيره في الفرق بين السحر والكرامة: أن السحر لا يظهر إلا على فاسق، والكرامة لا تظهر على فاسق. قال: وليس ذلك من مقتضيات العقل؛ ولكنه متلقى من إجماع الأمة.

قال الإمام: ثم الكرامة وإن كانت لا تظهر على فاسق معلن بفسقه، فلا تشهد بالولاية على القطع؛ إذ لو شهدت بها لأمن صاحبها العواقب؛ وذلك لم يجز لولي في كرامة باتفاق. هذا آخر كلام إمام الحرمين.

في إثبات كرامات الأولياء

قال الإمام الأستاذ أبو القاسم القشيري رحمه الله تعالى فيما رويناه في رسالته:

ظهور الكرامات، علامة صدق من ظهرت عليه في أحواله؛ فمن لم يكن صادقًا فظهور مثله عليه لا يجوز.

قال: ولا بد أن تكون الكرامة فعلًا ناقضًا للعادة في أيام التكليف ظاهرًا على موصوف بالولاية في معنى تصديقه في حاله.

قال: وتكلم أهل الحق في الفرق بين الكرامة والمعجزة.

الفرق بين المعجزة والكرامة

فكان الإمام أبو إسحاق الأسفرايني رحمه الله تعالى يقول:

المعجزات دلالات صدق الأنبياء، ودليل النبوة لا يوجد مع غير النبي، كما أن الفعل المحكم لما كان دليلًا للعالم فيكونه عالمًا لم يوجد غيره يكون عالمًا.

وكان يقول: الأولياء لهم كرامات، منها شبه إجابة الدعاء، فأما جنس ما هو معجزة للأنبياء فلا.

وقال الإمام أبو بكر بن فورك رحمه الله تعالى:

المعجزات دلالات الصدق، ثم إن ادعى صاحبها النبوَّة دلت على صدقه، وإن أشار صاحبها إلى الولاية دلت على صدقه في حالته. فتسمى كرامةً، ولا تسمى معجزة، وإن كانت من جنس المعجزات، للفرق.

وكان رحمه الله يقول: من الفرق بين المعجزات والكرامات، أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مأمورون بإظهارها، والولي يجب عليه سترها وإخفاؤها.

والنبي يدعي ويقطع القول به، والولي لا يدعيها ولا يقطع كرامته لجواز أن يكون ذلك مكرًا.

وقال أوحد وقته في فنه القاضي أبو بكر الباقلاني رضي الله تعالى عنه: المعجزات تختص بالأنبياء، والكرامات تكون للأولياء، كما تكون للأنبياء ولا تكون للأولياء معجزة، لأن من شرط المعجزة اقتران دعوى النبوة بها.

والمعجزة لم تكن معجزة لعينها؛ وإنما كانت معجزة لحصولها على أوصاف كثيرة، فمتى اختل شرط من تلك الشرائط لا تكون معجزة.

قال القشيري: وهذا الذي قاله هو الذي نعتمده ونقول به بل وندين الله به. فشرائط المعجزات كلها أو أكثرها توجد في الكرامات إلا هذا الشرط الواحد، وهو دعوى النبوة، فلا تكون المعجزة كرامة.

فالكرامة كالمعجزة فعل من الله لا محالة، فهي حادثة لا قديمة وهو ناقض للعادة، ويحصل في زمن التكليف، وتظهر على عبد تخصيصًا له وتفضيلًا.

وقد تحصل باختياره ودعائه، وقد لا تحصل، وقد تكون بخير اختياره في غالب الأوقات، ولم يؤمر الولي بدعاء الخلق إلى نفسه، ولو أظهر شيئًا من ذلك على من يكون أهلا له لجاز.

واختلف أهل الحق في الولي، هل يجوز أن يعلم أنه ولي أم لا؟

فكان الإمام أبو بكر بن فورك رحمه الله يقول: لا يجوز ذلك؛ لأنه يسلبه الخوف، ويوجب له الأمن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت