، وَمَنْ كَانَ تَوْفِيقُ اللَّهِ لَهُ كَذَلِكَ فَكَيْفَ لَا يَكُونُ ذَا بَصِيرَةٍ نَافِذَةٍ وَنَفْسٍ فَعَّالَةٍ ؟
وَإِذَا كَانَ الْإِثْمُ وَالْبِرُّ فِي صُدُورِ الْخَلْقِ لَهُ تَرَدُّدٌ وَجَوَلَانٌ ؛ فَكَيْفَ حَالُ مَنِ اللَّهُ سَمْعُهُ وَبَصَرُهُ وَهُوَ فِي قَلْبِهِ . وَقَدْ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ:"الْإِثْمُ حَوَّازُ الْقُلُوبِ" (1) ، وَقَدْ قَدَّمْنَا"أَنَّ الْكَذِبَ رِيبَةٌ وَالصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ" (2) ، فَالْحَدِيثُ الصِّدْقُ تَطْمَئِنُّ إلَيْهِ النَّفْسُ وَيَطْمَئِنُّ إلَيْهِ الْقَلْبُ .
وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّهَ فَطَرَ عِبَادَهُ عَلَى الْحَقِّ ؛ فَإِذَا لَمْ تَسْتَحِلَّ الْفِطْرَةُ: شَاهَدَتِ الْأَشْيَاءَ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ ؛ فَأَنْكَرَتْ مُنْكِرَهَا وَعَرَّفَتْ مَعْرُوفَهَا . قَالَ عُمَرُ: الْحَقُّ أَبْلَجُ لَا يَخْفَى عَلَى فَطِنٍ (3) . فَإِذَا كَانَتْ الْفِطْرَةُ مُسْتَقِيمَةً عَلَى الْحَقِيقَةِ مُنَوَّرَةً بِنُورِ الْقُرْآنِ تَجَلَّتْ لَهَا الْأَشْيَاءُ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ فِي تِلْكَ الْمَزَايَا، وَانْتَفَتْ عَنْهَا ظُلُمَاتُ الْجَهَالَاتِ فَرَأَتْ الْأُمُورَ عِيَانًا مَعَ غَيْبِهَا عَنْ غَيْرِهَا .
وَفِي السُّنَنِ وَالْمُسْنَدِ عَنِ النَّوَاسِ بْنِ سَمْعَانَ الأَنْصَارِىِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: « ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا وَعَلَى جَنْبَتَىِ الصِّرَاطِ سُورَانِ فِيهِمَا أَبْوَابٌ مُفَتَّحَةٌ وَعَلَى الأَبْوَابِ سُتُورٌ مُرْخَاةٌ وَعَلَى بَابِ الصِّرَاطِ دَاعٍ يَقُولُ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ادْخُلُوا الصِّرَاطَ جَمِيعًا وَلاَ تَتَفَرَّجُوا وَدَاعِى يَدْعُو مِنْ جَوْفِ الصِّرَاطِ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُفْتَحَ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ قَالَ وَيْحَكَ لاَ تَفْتَحْهُ فَإِنَّكَ إِنْ تَفْتَحْهُ تَلِجْهُ وْالصَّرِاطُ الإِسْلاَمُ وَالسُّورَانِ حُدُودُ اللَّهِ تَعَالَى وَالأَبْوَابُ الْمُفَتَّحَةُ مَحَارِمُ اللَّهِ تَعَالَى وَذَلِكَ الدَّاعِى عَلِى رَأْسِ الصِّرَاطِ كِتَابُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالدَّاعِى مِنْ فَوْقِ الصِّرَاطِ وَاعِظُ اللَّهِ فِى قَلْبِ كُلِّ مُسْلِمٍ » (4) . فَقَدْ بَيَّنَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْعَظِيمِ - الَّذِي مَنْ عَرَفَهُ انْتَفَعَ بِهِ انْتِفَاعًا بَالِغًا إنْ سَاعَدَهُ التَّوْفِيقُ ؛ وَاسْتَغْنَى بِهِ عَنْ عُلُومٍ كَثِيرَةٍ - أَنَّ فِي قَلْبِ كُلِّ مُؤْمِنٍ وَاعِظًا، وَالْوَعْظُ هُوَ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ ؛ وَالتَّرْغِيبُ وَالتَّرْهِيبُ .
وَإِذَا كَانَ الْقَلْبُ مَعْمُورًا بِالتَّقْوَى انْجَلَتْ لَهُ الْأُمُورُ وَانْكَشَفَتْ ؛ بِخِلَافِ الْقَلْبِ الْخَرَابِ الْمُظْلِمِ ؛ قَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ: إنَّ فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ سِرَاجًا يُزْهِرُ (5) . وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ كُنَّا عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - فَذَكَرُوا الدَّجَّالَ فَقَالَ إِنَّهُ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَمْ أَسْمَعْهُ قَالَ ذَاكَ وَلَكِنَّهُ قَالَ « أَمَّا إِبْرَاهِيمُ فَانْظُرُوا إِلَى صَاحِبِكُمْ ، وَأَمَّا مُوسَى فَرَجُلٌ آدَمُ جَعْدٌ ، عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ مَخْطُومٍ بِخُلْبَةٍ ، كَأَنِّى أَنْظُرُ إِلَيْهِ إِذِ انْحَدَرَ فِى الْوَادِى يُلَبِّى » (6) .
(1) - المعجم الكبير للطبراني (8661 -8663) والإتحاف 1/159 و 6/60 و 81 و 7/298 و الترغيب 3/36 و مجمع 1/176 و الشعب (5434و 7277) صحيح موقوف
حواز القلوب- بفتح الحاء المهملة وتشديد الواو- وهو ما يحوزها ويغلب عليها حتى ترتكب ما لا يحسن، وقيل: بتخفين الواو وتشديد الزاي- جمع حازة- وهي الأمور التي تحز في القلوب وتحك وتؤثر، وتتخالج في القلوب أن تكون معاصي، وهذا أشهر.
(2) - عَنْ أَبِى الْحَوْرَاءِ السَّعْدِىِّ قَالَ قُلْتُ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِىٍّ مَا حَفِظْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لاَ يَرِيبُكَ فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ وَإِنَّ الْكَذِبَ رِيبَةٌ » . سنن الترمذى (2708 ) و قَالَ وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وهو كما قال
(3) - جامع الأحاديث (30862)
(4) - المستدرك للحاكم 1/73 (245) و حم 4/182 (18101و 18103) و مشكل 2/423 و 3/35 و ترغيب 3/224 و الاجري 11/ و طبري 1/58 و صحيح الجامع (3887) صحيح
(5) - عَنْ حُذَيْفَةَ ، قَالَ: الْقُلُوبُ أَرْبَعَةٌ: قَلْبٌ مُصَفَّحٌ ، فَذَلِكَ قَلْبُ الْمُنَافِقِ ، وَقَلْبٌ أَغْلَفُ ، فَذَلِكَ قَلْبُ الْكَافِرِ ، وَقَلْبٌ أَجْرَدُ ، كَأَنَّ فِيهِ سِرَاجًا يُزْهِرُ ، فَذَاكَ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ ، وَقَلْبٌ فِيهِ نِفَاقٌ وَإِيمَانٌ ، فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ قُرْحَةٍ يَمُدُّ بِهَا قَيْحٌ وَدَمٌ ، وَمَثَلُهُ كَمَثَلِ شَجَرَةٍ يَسْقِيهَا مَاءٌ خَبِيثٌ وَمَاءٌ طَيِّبٌ ، فَأَيُّ مَاءٍ غَلَبَ عَلَيْهَا غَلَبَ.مصنف ابن أبي شيبة (235) - (ج 11 / ص 36) (31043) ورجاله ثقات لكن فيه انقطاعًا
(6) - صحيح البخارى (5913 )
الآدم: أسمر اللون =جعد: منقبض الشعر غير منبسطه =الخلبة: الليف والحبل الصلب الرقيق