فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 322

10 -التَّعْبِيرُ كَمَا ذَكَرَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ خَاصٌّ بِتَفْسِيرِ الرُّؤْيَا ، وَمَعْنَاهُ الْعُبُورُ مِنْ ظَاهِرِهَا إِلَى بَاطِنِهَا ، وَقِيل: هُوَ النَّظَرُ فِي الشَّيْءِ ، فَيُعْتَبَرُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ حَتَّى يَحْصُل عَلَى فَهْمِهِ حَكَاهُ الأَْزْهَرِيُّ ، وَبِالأَْوَّل جَزَمَ الرَّاغِبُ ، وَقَال أَصْلُهُ مِنَ الْعَبْرِ بِفَتْحٍ ثُمَّ سُكُونٍ ، وَهُوَ التَّجَاوُزُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ ، وَخَصُّوا تَجَاوُزَ الْمَاءِ بِسِبَاحَةٍ أَوْ فِي سَفِينَةٍ أَوْ غَيْرِهَا بِلَفْظِ الْعُبُورِ بِضَمَّتَيْنِ ، وَعَبَرَ الْقَوْمُ إِذَا مَاتُوا كَأَنَّهُمْ جَازُوا الْقَنْطَرَةَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَى الآْخِرَةِ ، قَال: وَالاِعْتِبَارُ وَالْعِبْرَةُ الْحَالَةُ الَّتِي يُتَوَصَّل بِهَا مِنْ مَعْرِفَةِ الْمُشَاهَدِ إِلَى مَا لَيْسَ بِمُشَاهَدٍ ، وَيُقَال: عَبَرْتُ الرُّؤْيَا بِالتَّخْفِيفِ إِذَا فَسَّرْتَهَا ، وَعَبَّرْتُهَا بِالتَّشْدِيدِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي ذَلِكَ (1) .

وَذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى: { إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ } (سورة يوسف / 43) أَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ عُبُورِ النَّهْرِ ، فَعَابِرُ الرُّؤْيَا يَعْبُرُ بِمَا يَؤُول إِلَيْهِ أَمْرُهَا ، وَيَنْتَقِل بِهَا كَمَا فِي رُوحِ الْمَعَانِي مِنَ الصُّورَةِ الْمُشَاهَدَةِ فِي الْمَنَامِ إِلَى مَا هِيَ صُورَةٌ وَمِثَالٌ لَهَا مِنَ الأُْمُورِ الآْفَاقِيَّةِ وَالأَْنْفُسِيَّةِ الْوَاقِعَةِ فِي الْخَارِجِ (2) .

هَذَا وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي إِعْلاَمِ الْمُوَقِّعِينَ صُوَرًا لِتَعْبِيرِ الرُّؤْيَا وَتَأْوِيلِهَا ، وَمِنْ تِلْكَ الصُّوَرِ: تَأْوِيل الثِّيَابِ بِالدِّينِ وَالْعِلْمِ ، فَإِنَّ الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَّل الْقَمِيصَ فِي الْمَنَامِ بِالدِّينِ وَالْعِلْمِ (3) .

وَالْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَهُمَا هُوَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَسْتُرُ صَاحِبَهُ وَيُجَمِّلُهُ بَيْنَ النَّاسِ ، فَالْقَمِيصُ يَسْتُرُ بَدَنَهُ ، وَالْعِلْمُ وَالدِّينُ يَسْتُرُ رُوحَهُ وَقَلْبَهُ ، وَيُجَمِّلُهُ بَيْنَ النَّاسِ .

وَتَأْوِيل اللَّبَنِ بِالْفِطْرَةِ لِمَا فِي كُلٍّ مِنْهُمَا مِنَ التَّغْذِيَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْحَيَاةِ وَكَمَال النَّشْأَةِ . وَتَأْوِيل الْبَقَرِ بِأَهْل الدِّينِ وَالْخَيْرِ الَّذِينَ بِهِمْ عِمَارَةُ الأَْرْضِ كَمَا أَنَّ الْبَقَرَ كَذَلِكَ .

وَتَأْوِيل الزَّرْعِ وَالْحَرْثِ بِالْعَمَل ، لأَِنَّ الْعَامِل زَارِعٌ لِلْخَيْرِ وَالشَّرِّ .

وَتَأْوِيل الْخَشَبِ الْمَقْطُوعِ الْمُتَسَانِدِ بِالْمُنَافِقِينَ ، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمُنَافِقَ لاَ رُوحَ فِيهِ وَلاَ ظِل وَلاَ ثَمَرَ ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْخَشَبِ الَّذِي هُوَ كَذَلِكَ .

وَتَأْوِيل النَّارِ بِالْفِتْنَةِ لإِِفْسَادِ كُلٍّ مِنْهُمَا مَا يَمُرُّ عَلَيْهِ وَيَتَّصِل بِهِ .

وَتَأْوِيل النُّجُومِ بِالْعُلَمَاءِ وَالأَْشْرَافِ لِحُصُول هِدَايَةِ أَهْل الأَْرْضِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا ، وَلاِرْتِفَاعِ الأَْشْرَافِ بَيْنَ النَّاسِ كَارْتِفَاعِ النُّجُومِ .

وَتَأْوِيل الْغَيْثِ بِالرَّحْمَةِ وَالْعِلْمِ وَالْقُرْآنِ وَالْحِكْمَةِ وَصَلاَحِ حَال النَّاسِ ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الصُّوَرِ الْوَارِدَةِ فِي تَعْبِيرِ الرُّؤْيَا وَالْمَأْخُوذَةِ مِنَ الأَْمْثِلَةِ الْوَارِدَةِ فِي الْقُرْآنِ ، ثُمَّ قَال: وَبِالْجُمْلَةِ فَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَمْثَال الْقُرْآنِ كُلِّهَا أُصُولٌ وَقَوَاعِدُ لِعِلْمِ التَّعْبِيرِ لِمَنْ أَحْسَنَ الاِسْتِدْلاَل بِهَا ، وَكَذَلِكَ مَنْ فَهِمَ الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يُعَبِّرُ بِهِ الرُّؤْيَا أَحْسَنَ تَعْبِيرٍ ، وَأُصُول التَّعْبِيرِ الصَّحِيحَةُ إِنَّمَا أُخِذَتْ مِنْ مِشْكَاةِ الْقُرْآنِ ، فَالسَّفِينَةُ تُعَبَّرُ بِالنَّجَاةِ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: { فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ } (سورة العنكبوت / 15) وَتُعَبَّرُ بِالتِّجَارَةِ . وَالطِّفْل الرَّضِيعُ يُعَبَّرُ بِالْعَدُوِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: { فَالْتَقَطَهُ آل فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا } (سورة القصص / 8) .

وَالرَّمَادُ بِالْعَمَل الْبَاطِل لِقَوْلِهِ تَعَالَى: { مَثَل الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ } (سورة إبراهيم / 18) فَإِنَّ الرُّؤْيَا أَمْثَالٌ مَضْرُوبَةٌ لِيَسْتَدِل الرَّائِي بِمَا ضُرِبَ لَهُ مِنَ الْمَثَل عَلَى نَظِيرِهِ ، وَيَعْبُرُ مِنْهُ إِلَى شَبَهِهِ (4) .

(1) - المصباح المنير، فتح الباري ( 12 / 352 ط - الرياض ) .

(2) - تفسير القرطبي ( 9 / 200 ط - المصرية ) ، روح المعاني ( 12 / 250 ط المنيرية ) .

(3) - عَنْ أَبِى أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِىَّ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ النَّاسَ يُعْرَضُونَ عَلَىَّ ، وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ مِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثُّدِىَّ ، وَمِنْهَا مَا دُونَ ذَلِكَ ، وَعُرِضَ عَلَىَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ » . قَالُوا فَمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ « الدِّينَ » . صحيح البخارى (23 ) ومسلم (6340 )

(4) - أعلام الموقعين 1 / 190 - 195 ط - الكليات وإعلام الموقعين عن رب العالمين - (ج 1 / ص 258) وحجة الله البالغة - (ج 2 / ص 347)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت