فهرس الكتاب

الصفحة 250 من 322

[البقرة/198-200] ، بَلْ أَنْزَلَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي آخِرِ الْأَمْرِ لَمَّا غَزَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَزْوَةَ تَبُوكَ وَهِيَ آخِرُ غَزَوَاتِهِ: { لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (117) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118) (1) } [التوبة/117-118] ، وَهِيَ آخِرُ مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ (2) .

وَقَدْ قِيلَ: إنَّ آخِرَ سُورَةٍ نَزَلَتْ قَوْله تَعَالَى: { إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (3) (3) } سورة النصر، فَأَمَرَهُ تَعَالَى أَنْ يَخْتِمَ عَمَلَهُ بِالتَّسْبِيحِ وَالِاسْتِغْفَارِ (4) ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - أَنَّهَا قَالَتْ:كَانَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِى رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ « سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِى » يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ (5)

(1) - نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ التِي كَانَتْ فِي سَنَةِ جَدْبٍ ، وَوَقْتَ حَرٍّ شَديدٍ ، وَعُسْرٍ فِي الزَّادِ وَالمَاءِ ، وَقَدْ أَكْرَمَ اللهَ تَعَالَى المَهُاجِرِينَ وَالأَنْصَارَ الذِينَ اتَّبَعُوا رَسُولَ اللهِ فِي وَقْتِ عُسْرَةٍ مِنَ النَّفَقَةِ وَالظَّهْرِ وَالزَّادِ ، بِالتَّوْبَةِ عَلَيْهِمْ لِصِدْقِ إِيمَانِهِمْ بِاللهِ ، وَلاسْتِجَابَتِهِمْ لِدَعْوَةِ رَسُولِهِ الكَرِيمِ ، بَعْدَ أَنْ كَادَتْ تَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنَ المُسْلِمِينَ عَنِ الحَقِّ ، وَهُمُ الذِينَ تَخَلَّفُوا لِغَيْرِ عِلَّةِ النِّفَاقِ مِمَّنْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا ، وَاعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ ، لِعِظَمِ مَا نَالَهُمْ مِنَ المَشَقَّةِ وَالشِّدَّةِ فِي سَفَرِهِمْ وَغَزْوِهِمْ . ثُمَّ رَزَقَهُمُ اللهُ الإِنَابَةَ إِلَيْهِ ، وَالرُّجُوعَ وَالثَّبَاتَ عَلَى دِينِهِ ، فَتَابَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَإِنَّهُ تَعَالَى رَؤُوفٌ رَحِيمٌ بِهِمْ .

الثَّلاَثَةُ هُمْ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ ، وَمَرَارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ ، وَهِلاَلُ بْنُ أُمَيَّةَ الوَاقِفِي ، وَهَؤُلاَءِ الثَّلاَثَةُ تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوك ، وَاعْتَرَفُوا لِلرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُمْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ أَعْذَارٌ ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"قُومُوا حَتَّى يَقْضِي اللهُ فِي أَمْرِكُمْ"وأَمْر الرَّسُولُ النَّاسَ أَنْ لاَ يُكَلِّمُوهُمْ ، فَفَعَلُوا حَتَّى ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ عَلَى رَحْبِهَا وَسَعَتِهَا ، وَضَاقَتْ أَنْفُسُهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ ، لِمَا كَانُوا يَشْعُرُونَ بِهِ مِنْ ضِيقِ صُدُورِهِمْ بِامْتِلاَئِهَا بِالهَمِّ وَالغَمِّ ، وَلَبِثُوا فِي ذَلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً ، ثُمَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ، وَفِيهَا التَّوْبَةُ عَلَيهِمْ .

وَقَالَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الآيَةِ: إِنَّهُ عَطَفَ عَلَيْهِمْ ، وَأَنْزَلَ قبُولَ تَوْبَتِهِمْ لِيَتُوبُوا وَيَرْجِعُوا إِلَيْهِ ، بَعْدَ أَنْ قَصَّرُوا فِي اتِّبَاعِ رَسُولِهِ إِلَى الغَزَاةِ ، فَكَانَ عَاقِبَةُ صِدْقِهِمْ خَيْرًا لَهُمْ ، وَتَوْبَةً عَلَيْهِمْ .

(2) - لعل من قال ذلك بقصد أحكام التوبة

(3) - إِذَا رَأَيْتَ نَصْرَ اللهِ لِدِينِهِ الحَقِّ ، وَانْهِزَامَ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ وَخِذْلاَنَهُمْ ، وَإِذَا رَأَيْتَ الغَلَبَةَ قَدْ تَحَقَّقَتْ لَكَ عَلَى المُشْرِكِينَ ، وََفَتَحَ اللهُ عَلَيْكَ .

وَإِذَا رَأَيْتَ النَّاسَ قَدْ أَصْبحُوا يَدْخُلُونَ فِي الإِسْلاَمِ جَمَاعَاتٍ وَأَفْواجًا ، لاَ أَفْرَادًا مُتَفَرِّقِينَ كَمَا كَانَ يَحْدُثُ فِي السِّنِينَ الأُولَى لِلدَّعْوَةِ .

فَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الخَوْفَ مِنْ اسْتِطَالَةِ المُشْرِكِينَ عَلَى المُسْلِمِينَ قَدْ وَلَّى ، فَعَلَيْكَ أَنْ تُسَبِّحَ رَبِّكَ وَتَشْكُرَهُ عَلَى نِصْرِهِ دِينَهُ ، وَإِعْزَازِهِ جُنْدَهُ عَلَى الكُفْرِ وَالكَافِرِينَ ، وَعَلَيْكَ أَنْ تَسْتَغْفِرَهُ وَتَتُوبَ إِلَيهِ ، فَهُوَ الكَثِيرُ القَبُولِ لِتَوْبَةِ عِبَادِهِ .

( وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: هَذِهِ السُّورَةُ عَلاَمَةٌ عَلَى أَجَلِ الرَّسُولِ ، وَأَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ السَّورَةُ ."نُعِيَتْ إِلَيًَّ نَفْسِي ، وَأَنَّهُ مَقْبُوضٌ فِي هَذِهِ السَّنَةِ"

(4) - آخر آية نزلت قوله تعالى: {وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} (281) سورة البقرة

كما ثبت عن ابن عباس وغيره انظر السنن الكبرى للإمام النسائي (10991) ومصنف ابن أبي شيبة ( 30207-30208 )

(5) - صحيح البخارى (817 ) ومسلم (1113 )

وفي شرح النووي على مسلم - (ج 2 / ص 232)

مَعْنَى يَتَأَوَّل الْقُرْآن يَعْمَل مَا أُمِرَ بِهِ فِي قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ { فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبّك وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا } وَكَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول هَذَا الْكَلَام الْبَدِيع فِي الْجَزَالَة الْمُسْتَوْفِي مَا أَمَرَ بِهِ فِي الْآيَة ، وَكَانَ يَأْتِي بِهِ فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود لِأَنَّ حَالَة الصَّلَاة أَفْضَل مِنْ غَيْرهَا ، فَكَانَ يَخْتَارهَا لِأَدَاءِ هَذَا الْوَاجِب الَّذِي أُمِرَ بِهِ لِيَكُونَ أَكْمَل: قَالَ أَهْل اللُّغَة الْعَرَبِيَّة وَغَيْرهمْ: التَّسْبِيح التَّنْزِيه ، وَقَوْلهمْ: سُبْحَان اللَّه مَنْصُوب عَلَى الْمَصْدَر ، يُقَال: سَبَّحْت اللَّه تَسْبِيحًا وَسُبْحَانًا ، فَسُبْحَان اللَّه مَعْنَاهُ بَرَاءَة وَتَنْزِيهًا لَهُ مِنْ كُلّ نَقْص وَصِفَة لِلْمُحَدِّثِ . قَالُوا: وَقَوْله: وَبِحَمْدِك أَيْ وَبِحَمْدِك سَبَّحْتُك ، وَمَعْنَاهُ بِتَوْفِيقِك لِي وَهِدَايَتك وَفَضْلك عَلَيَّ سَبَّحْتُك لَا بِحَوْلِي وَقُوَّتِي . فَفِيهِ شُكْر اللَّه تَعَالَى عَلَى هَذِهِ النِّعْمَة وَالِاعْتِرَاف بِهَا وَالتَّفْوِيض إِلَى اللَّه تَعَالَى ، وَأَنَّ كُلّ الْأَفْعَال لَهُ وَاَللَّه أَعْلَم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت