وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: « اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَوَاتِ وَرَبَّ الأَرْضِ وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَىْءٍ فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى وَمُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْفُرْقَانِ أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ شَىْءٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ اللَّهُمَّ أَنْتَ الأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَىْءٌ وَأَنْتَ الآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَىْءٌ وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَىْءٌ وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَىْءٌ اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ وَأَغْنِنَا مِنَ الْفَقْرِ » (1) .
ثُمَّ قَالَ: { هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (4) (2) } [الحديد/4] ، فَذَكَرَ أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ - وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ - ( وَمَا بَيْنَهُمَا) (3) مَخْلُوقٌ مُسَبِّحٌ لَهُ ،وَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ يَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ . وَأَمَّا قَوْلُهُ ( وَهُوَ مَعَكُمْ) (4)
(1) - صحيح مسلم (7064 )
وفي شرح النووي على مسلم - (ج 9 / ص 79)
قَوْله: ( أَعُوذ بِك مِنْ شَرِّ كُلّ شَيْء أَنْتَ آخِذ بِنَاصِيَتِهِ ) أَيْ: مِنْ شَرّ كُلّ شَيْء مِنْ الْمَخْلُوقَات ؛ لِأَنَّهَا كُلّهَا فِي سُلْطَانه ، وَهُوَ آخِذ بِنَوَاصِيهَا .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( اللَّهُمَّ أَنْتَ الْأَوَّل فَلَيْسَ قَبْلك شَيْء ، وَأَنْتَ الْآخِر فَلَيْسَ بَعْدك شَيْء ، وَأَنْتَ الظَّاهِر فَلَيْسَ فَوْقك شَيْء ، وَأَنْتَ الْبَاطِن فَلَيْسَ دُونك شَيْء اِقْضِ عَنَّا الدَّيْن ) يَحْتَمِل أَنَّ الْمُرَاد بِالدَّيْنِ هُنَا حُقُوق اللَّه تَعَالَى وَحُقُوق الْعِبَاد كُلّهَا مِنْ جَمِيع الْأَنْوَاع ، وَأَمَّا مَعْنَى الظَّاهِر مِنْ أَسْمَاء اللَّه فَقِيلَ: هُوَ مِنْ الظُّهُور بِمَعْنَى الْقَهْر وَالْغَلَبَة ، وَكَمَال الْقُدْرَة ، وَمِنْهُ ظَهَرَ فُلَان عَلَى فُلَان ، وَقِيلَ: الظَّاهِر بِالدَّلَائِلِ الْقَطْعِيَّة ، وَالْبَاطِن: الْمُحْتَجِب عَنْ خَلْقه ، وَقِيلَ: الْعَالِم بِالْخَفِيَّاتِ . وَأَمَّا تَسْمِيَته سُبْحَانه بِالْآخِرِ ، فَقَالَ الْإِمَام أَبُو بَكْر اِبْن الْبَاقِلَّانِيّ: مَعْنَاهُ الْبَاقِي بِصِفَاتِهِ مِنْ الْعِلْم وَالْقُدْرَة وَغَيْرهمَا الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا فِي الْأَزَل ، وَيَكُون كَذَلِكَ بَعْد مَوْت الْخَلَائِق ، وَذَهَاب عُلُومهمْ وَقَدَرهمْ وَحَوَاسّهمْ ، وَتَفَرُّق أَجْسَامهمْ ، قَالَ: وَتَعَلَّقَتْ الْمُعْتَزِلَة بِهَذَا الِاسْم ، فَاحْتَجُّوا بِهِ لِمَذْهَبِهِمْ فِي فِنَاء الْأَجْسَام وَذَهَابها بِالْكُلِّيَّةِ ، قَالُوا: وَمَعْنَاهُ الْبَاقِي بَعْد فَنَاء خَلْقه ، وَمَذْهَب أَهْل الْحَقّ خِلَاف ذَلِكَ ، وَأَنَّ الْمُرَاد الْآخِر بِصِفَاتِهِ بَعْد ذَهَاب صِفَاتهمْ ، وَلِهَذَا يُقَال: آخِر مَنْ بَقِيَ مِنْ بَنِي فُلَان فُلَان ، يُرَاد حَيَاته ، وَلَا يُرَاد فَنَاء أَجْسَام مَوْتَاهُمْ وَعَدَمهَا ، هَذَا كَلَام اِبْن الْبَاقِلَّانِيّ .
(2) - وَاللهُ تَعَالَى هُوَ الذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ خَلْقًا مُبْتَدأً وَدَبَّرَهُنَّ ، وَخَلَقَ مَا فِيهِنَّ فِي سِتَّةِ أَيَّامِ ( وَهَذِهِ الأَيَّامُ لاَ يَعْرِفُ كُنْهَهَا أَحَدٌ ، وَهِيَ عَلَى كُلِّ حَالٍ لَيْسَتْ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا ) ، وَهُوَ يَعْلَمُ مَا يَدْخُلُ فِي الأَرْضِ مِنْ خَلْقٍ ، وَمَا يَنْزِل فِيهَا مِنْ حَبَّاتِ المَطَرِ ، وَالحَبِّ وَالنَّوْرِ . . . وَيَعْلَمُ مَا يَخْرُجُ مِنَ الأَرْضِ مِنْ زَرْعٍ وَنَبَاتٍ وَثِمَارٍ وَمَعَادِنَ وَمَاءٍ . . . وَيَعْلَمُ مَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَطَرٍ وَغَيْرِهِ ، وَيَعْلَمُ مَا يَصْعَدُ إِلَى السَّمَاءِ مِنَ الأَرْضِ ( يَعْرُجُ فِيهِا ) كَالأَبْخِرَةِ المُتَصاعِدَةِ وَالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ . . وَهُوَ مُطَّلِعٌ عَلَى أَعْمَالِ العِبَادِ ، وَنِيَّاتِهِمْ ، أَيْنَمَا كَانُوا ، وَيَعْلَمُ مُتَقَلَّبَهُمْ وَمَثْوَاهُمْ .
(3) - قال تعالى: {الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا} (59) سورة الفرقان
(4) - وقوله - سبحانه -: { وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ } أى: وهو معكم بعلمه ولطفه ورحمته . . أينما كنتم وحيثما وجدتم .
قال الآلوسى: قوله - تعالى -: وهو معكم أينما كنتم تمثيل لإحاطة علمه - تعالى - بهم ، وتصوير خروجهم عنه أينما كانوا ، وقيل المعية مجاز مرسل عن العلم بعلاقة السببية والقرينة السياق واللحاق مع استحالة الحقيقة .
وقد أول السلف هذه الاية بذلك ، أخرج البيهقى في الأسماء والصفات عن ابن عباس أنه قال فيها: عالم بكم أينما كنتم .
وأخرج - أيضا - عن سفيان الثورى أنه سئل عنها فقال: علمه معكم .
وفى البحر: أنه اجمعت الأمة على هذا التأويل فيها ، وأنها لا تحمل على ظاهرها من المعية بالذات .الوسيط لسيد طنطاوي - (ج 1 / ص 4083)
وفي أضواء البيان - (ج 3 / ص 96)
وهذه المعية بعباده المؤمنين ، وهي بالإعانة والنَّصر والتوفيق . وكرر هذا المعنى في مواضع أخر ، كقوله: { إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وأرى } [ طه: 46 ] ، وقوله: { إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الملائكة أَنِّي مَعَكُم } [ الأنفال: 12 ] ، وقوله: { لاَ تَحْزَنْ إِنَّ الله مَعَنَا } [ التوبة: 40 ] وقوله: { قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ } [ الشعراء: 62 ] ، إلى غير ذلك من الآيات .
واما المعية العامة لجميع الخلق فهي بالإحاطة التامة والعلم ، ونفوذ القدرة ، وكون الجميع في قبضته جل وعلا: فالكائنات في يده جل وعلا أصغر من حبّة خردل ، وهذه هي المذكورة ايضًا في آيات كثيرة . كقوله: { مَا يَكُونُ مِن نجوى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أدنى مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ } [ المجادلة: 7 ] الاية ، وقوله: { وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ } [ الحديد: 4 ] الآية ، وقوله: { فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ } [ الأعراف: 7 ] وقوله: { وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ } [ يونس: 61 ] الآية إلى غير ذلك من الآيات .
فهو جل وعلا مستو على عرشه كما قال ، على الكيفية اللائقة بكماله وجلاله ، وهو محيط بخلقه ، كلهم في قبضة يده ، لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين .