وَأَمَّا أُولَئِكَ فَ"الْعَقْلُ"عِنْدَهُمْ جَوْهَرٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ كَالْعَاقِلِ وَلَيْسَ هَذَا مُطَابِقًا لِلُغَةِ الرُّسُلِ وَالْقُرْآنِ . وَعَالَمُ الْخَلْقِ عِنْدَهُمْ كَمَا يَذْكُرُهُ أَبُو حَامِدٍ عَالَمُ الْأَجْسَامِ الْعَقْلُ وَالنُّفُوسُ فَيُسَمِّيهَا عَالَمَ الْأَمْرِ، وَقَدْ يُسَمَّى"الْعَقْلُ"عَالَمَ الْجَبَرُوتِ" (1) وَالنُّفُوسُ"عَالَمَ الْمَلَكُوتِ ؛ وَ"الْأَجْسَامُ"عَالَمَ الْمَلِكِ ،وَيَظُنُّ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ لُغَةَ الرُّسُلِ وَلَمْ يَعْرِفْ مَعْنَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَنَّ مَا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ ذِكْرِ الْمُلْكِ وَالْمَلَكُوتِ وَالْجَبَرُوتِ مُوَافِقٌ لِهَذَا ،وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ . وَهَؤُلَاءِ يُلَبِّسُونَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ تَلْبِيسًا كَثِيرًا كَإِطْلَاقِهِمْ أَنَّ"الْفَلَكَ"مُحْدَثٌ: أَيُّ مَعْلُولٍ مَعَ إنَّهُ قَدِيمٌ عِنْدَهُمْ، وَالْمُحْدَثُ لَا يَكُونُ إلَّا مَسْبُوقًا بِالْعَدَمِ لَيْسَ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ وَلَا فِي لُغَةِ أَحَدٍ أَنَّهُ يُسَمَّى الْقَدِيمُ الْأَزَلِيُّ مُحْدَثًا، وَاَللَّهُ قَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَكُلُّ مَخْلُوقٍ فَهُوَ مُحْدَثٌ ،وَكُلُّ مُحْدَثٍ كَائِنٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ ؛ لَكِنْ نَاظَرَهُمْ أَهْلُ الْكَلَامِ مِنْ الجهمية وَالْمُعْتَزِلَةِ مُنَاظَرَةً قَاصِرَةً لَمْ يُعْرَفُوا بِهَا مَا أَخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وَلَا أَحْكَمُوا فِيهَا قَضَايَا الْعُقُولِ، فَلَا لِلْإِسْلَامِ نَصَرُوا وَلَا لِلْأَعْدَاءِ كَسَرُوا ،وَشَارَكُوا أُولَئِكَ فِي بَعْضِ قَضَايَاهُمْ الْفَاسِدَةِ وَنَازَعُوهُمْ فِي بَعْضِ الْمَعْقُولَاتِ الصَّحِيحَةِ، فَصَارَ قُصُورُ هَؤُلَاءِ فِي الْعُلُومِ السَّمْعِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ مِنْ أَسْبَابِ قُوَّةِ ضَلَالِ أُولَئِكَ كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ .
(1) - وفي إحياء علوم الدين ومعه تخريج الحافظ العراقي - (ج 6 / ص 245)
والثالث هو عالم الجبروت وهو بين عالم الملك وعالم الملكوت ولقد قطعت منها ثلاث منازل في أوائلها منزلة القدرة والإرادة والعلم وهو واسطة بين عالم الملك والشهادة والملكوت لأن عالم الملك أسهل منه طريقا وعالم الملكوت أوعر منه منهجا وإنما عالم الجبروت بين عالم الملك وعالم الملكوت يشبه السفينة التي هي في الحركة بين الأرض والماء فلا هي في حد اضطراب الماء ولا هي في حد سكون الأرض وثبرتها وكل من يمشى على الأرض يمشى في عالم الملك والشهادة فإن جاوزت قوته إلى أن يقوى على ركوب السفينة كان كمن يمشى في عالم الجبروت فإن انتهى إلى أن يمشى على الماء من غير سفينة مشى في عالم الملكوت من غير تتعتع فإن كنت لا تقدر على المشى على الماء فانصرف فقد جاوزت الأرض وخلفت السفينة ولم يبق بين يديك إلا الماء الصافى وأول عالم الملكوت مشاهدة القلم الذي يكتب به العلم في لوح القلب وحصول اليقين الذي يمشى به على الماء أما سمعت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في عيسى عليه السلام لو ازداد يقينا لمشى على الهواء حديث قيل له أن عيسى يمشي على الماء قال لو ازداد يقينا لمشى على الهواء تقدم لما قيل له إنه كان يمشى على الماء فقال السالك السائل قد تحيرت في أمري وأستشعر قلبي خوفا مما وصفته من خطر الطريق ولست أدرى أطيق قطع هذه المهامة التي وصفتها أم لا فهل لذلك من علامة قال نعم افتح بصرك واجمع ضوء عينيك وحدقهنحوي فإن ظهر لك القلم الذي به أكتب في لوح القلب فيشبه أن تكون أهلا لهذا الطريق فإن كل من جاوز عالم الجبروت وقرع بابا من أبواب الملكوت كوشف بالقلم أما ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم في أول أمره كوشف بالقلم إذ أنزل عليه اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم فقال السالك لقد فتحت بصري وحدقته فو الله ما أرى قصبا ولا خشبا ولا أعلم قلما إلا كذلك فقال العلم لقد أبعدت النجعة أما سمعت أن متاع البيت يشبه رب البيت أما علمت أن الله تعالى لا تشبه ذاته سائر الذوات فكذلك لا تشبه يده الأيدى ولا قلمه الأقلام ولا كلامه سائر الكلام ولا خطه سائر الخطوط
وانظر الفتوحات المكية - (ج 1 / ص 21-28)