فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 322

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى قَتْل السَّاحِرِ ، لَكِنْ قَالُوا: إِنَّمَا يُقْتَل إِذَا حُكِمَ بِكُفْرِهِ ، وَثَبَتَ عَلَيْهِ بِالْبَيِّنَةِ لَدَى الإِْمَامِ ، فَإِنْ كَانَ مُتَجَاهِرًا بِهِ قُتِل وَمَالُهُ فَيْءٌ إِلاَّ أَنْ يَتُوبَ ، وَإِنْ كَانَ يُخْفِيهِ فَهُوَ كَالزِّنْدِيقِ يُقْتَل وَلاَ يُسْتَتَابُ (1) ، وَاسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ - أَيْضًا - السَّاحِرَ الذِّمِّيَّ ، فَقَالُوا: لاَ يُقْتَل ، بَل يُؤَدَّبُ . لَكِنْ قَالُوا: إِنْ أَدْخَل السَّاحِرُ الذِّمِّيُّ ضَرَرًا عَلَى مُسْلِمٍ فَيَتَحَتَّمُ قَتْلُهُ ، وَلاَ تُقْبَل مِنْهُ تَوْبَةٌ غَيْرَ الإِْسْلاَمِ ، نَقَلَهُ الْبَاجِيُّ عَنْ مَالِكٍ . لَكِنْ قَال الزَّرْقَانِيُّ: الَّذِي يَنْبَغِي اعْتِمَادُهُ أَنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ انْتِقَاضَ عَهْدِهِ ، فَيُخَيَّرُ الإِْمَامُ فِيهِ .

أَمَّا إِنْ أَدْخَل السَّاحِرُ الذِّمِّيُّ ضَرَرًا عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَهْل مِلَّتِهِ فَإِنَّهُ يُؤَدَّبُ مَا لَمْ يَقْتُلْهُ ، فَإِنْ قَتَلَهُ قُتِل بِهِ (2) .

وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: إِنْ كَانَ سِحْرُ السَّاحِرِ لَيْسَ مِنْ قَبِيل مَا يَكْفُرُ بِهِ ، فَهُوَ فِسْقٌ لاَ يُقْتَل بِهِ مَا لَمْ يَقْتُل أَحَدًا وَيَثْبُتُ تَعَمُّدُهُ لِلْقَتْل بِهِ بِإِقْرَارِهِ (3) .

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ السَّاحِرَ يُقْتَل حَدًّا وَلَوْ لَمْ يَقْتُل بِسِحْرِهِ أَحَدًا ، لَكِنْ لاَ يُقْتَل إِلاَّ بِشَرْطَيْنِ:

الأَْوَّل: أَنْ يَكُونَ سِحْرُهُ مِمَّا يُحْكَمُ بِكَوْنِهِ كُفْرًا مِثْل فِعْل لَبِيدِ بْنِ الأَْعْصَمِ ، أَوْ يَعْتَقِدُ إِبَاحَةَ السِّحْرِ ، بِخِلاَفِ مَا لاَ يُحْكَمُ بِكَوْنِهِ كُفْرًا ، كَمَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ يَجْمَعُ الْجِنَّ فَتُطِيعُهُ ، أَوْ يَسْحَرُ بِأَدْوِيَةٍ وَتَدْخِينٍ ، وَسَقْيِ شَيْءٍ لاَ يَضُرُّ .

الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا ، فَإِنْ كَانَ ذِمِّيًّا لَمْ يُقْتَل ؛ لأَِنَّهُ أُقِرَّ عَلَى شِرْكِهِ وَهُوَ أَعْظَمُ مِنَ السِّحْرِ ، وَلأَِنَّ لَبِيدَ بْنَ الأَْعْصَمِ الْيَهُودِيَّ سَحَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَقْتُلْهُ ، قَالُوا: وَالأَْخْبَارُ الَّتِي وَرَدَتْ بِقَتْل السَّاحِرِ إِنَّمَا وَرَدَتْ فِي سَاحِرِ الْمُسْلِمِينَ لأَِنَّهُ يَكْفُرُ بِسِحْرِهِ .

وَالذِّمِّيُّ كَافِرٌ أَصْلِيٌّ فَلاَ يُقْتَل بِهِ ، لَكِنْ إِنْ قُتِل بِسِحْرٍ يَقْتُل غَالِبًا ، قُتِل قِصَاصًا .

وَشَرْطٌ آخَرُ أَضَافَهُ صَاحِبُ الْمُغْنِي: وَهُوَ أَنْ يَعْمَل بِالسِّحْرِ ، إِذْ لاَ يُقْتَل بِمُجَرَّدِ الْعِلْمِ بِهِ .

ثُمَّ قَال بَعْضُهُمْ: وَيُعَاقَبُ بِالْقَتْل أَيْضًا مَنْ يَعْتَقِدُ حِل السِّحْرِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، فَيُقْتَل كُفْرًا ؛ لأَِنَّهُ يَكُونُ بِذَلِكَ قَدْ أَنْكَرَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ مَعْلُومًا مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ .

وَاحْتَجُّوا لِقَتْل السَّاحِرِ بِمَا رَوَى عَنْ جُنْدَبٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبَةٌ بِالسَّيْفِ » (4) .

وَبِمَا وَرَدَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ بَجَالَةَ يُحَدِّثُ عَمْرَو بْنَ أَوْسٍ وَأَبَا الشَّعْثَاءِ ، قَالَ: كُنْتُ كَاتِبًا لِجَزْءِ بْنِ مُعَاوِيَةَ: فَأَتَانَا كِتَابُ عُمَرَ أَنَ اقْتُلُوا كُلَّ سَاحِرٍ وَسَاحِرَةٍ , وَفَرِّقُوا بَيْنَ كُلِّ ذِي مَحْرَمٍ مِنَ الْمَجُوسِ , وَانْهَوْهُمْ ، عَنِ الزَّمْزَمَةِ فَقَتَلْنَا ثَلاَثَ سَوَاحِرَ , وَجَعَلْنَا نُفَرِّقُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَبَيْنَ حَرِيمِهِ فِي كِتَابِ اللهِ" (5) ."

وَبِأَنَّ حَفْصَةَ أَمَرَتْ بِقَتْل سَاحِرَةٍ سَحَرَتْهَا . وَأَنَّ مُعَاوِيَةَ كَتَبَ إِلَى عَامِلِهِ قَبْل مَوْتِهِ بِسَنَةٍ: أَنِ اقْتُلُوا كُل سَاحِرٍ وَسَاحِرَةٍ ، وَقَتَل جُنْدُبُ بْنُ كَعْبٍ سَاحِرًا كَانَ يَسْحَرُ بَيْنَ يَدَيِ الْوَلِيدِ بْنِ أَبِي عُقْبَةَ (6) .

حُكْمُ السَّاحِرِ إِذَا قَتَل بِسِحْرِهِ:

16 -ذَهَبَ الْجُمْهُورُ خِلاَفًا لِلْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْقَتْل بِالسِّحْرِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عَمْدًا ، وَفِيهِ الْقِصَاصُ . وَيَثْبُتُ ذَلِكَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ بِالْبَيِّنَةِ أَوِ الإِْقْرَارِ .

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ السَّاحِرَ إِنْ قَتَل بِسِحْرِهِ مَنْ هُوَ مُكَافِئٌ لَهُ فَفِيهِ الْقِصَاصُ إِنْ تَعَمَّدَ قَتْلَهُ بِهِ ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَثْبُتَ ذَلِكَ بِإِقْرَارِ السَّاحِرِ بِهِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا ، كَقَوْلِهِ: قَتَلْتُهُ بِسِحْرِي ، أَوْ قَوْلِهِ: قَتَلْتُهُ بِنَوْعِ كَذَا ، وَيَشْهَدُ عَدْلاَنِ يَعْرِفَانِ ذَلِكَ ، وَقَدْ كَانَا تَابَا ، بِأَنَّ ذَلِكَ النَّوْعَ يَقْتُل غَالِبًا . فَإِنْ كَانَ لاَ يَقْتُل غَالِبًا فَيَكُونُ شِبْهَ عَمْدٍ . فَإِنْ قَال: أَخْطَأْتُ مِنَ اسْمِ غَيْرِهِ إِلَى اسْمِهِ فَخَطَأٌ .

(1) - الزرقاني 8 / 63 .

(2) - الزرقاني 8 / 68 .

(3) - تفسير الرازي 3 / 239 ، وروضة الطالبين 9 / 347 .

(4) - سنن الترمذى (1532 ) والصواب وقفه وإرساله

(5) - مسند أحمد (1679) ومصنف ابن أبي شيبة (235) - (ج 10 / ص 136) (29585) ومصنف ابن أبي شيبة (235) - (ج 12 / ص 244) (33320) وهو صحيح

(6) - كشاف القناع 6 / 187 ، والمغني 8 / 153 ، 154 ، وتيسير العزيز الحميد ص 342 ، ومطالب أولي النهى 6 / 304 ، 305 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت