وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: « إِنَّهُ قَدْ كَانَ فِيمَا مَضَى قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ مُحَدَّثُونَ ، وَإِنَّهُ إِنْ كَانَ فِى أُمَّتِى هَذِهِ مِنْهُمْ ، فَإِنَّهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ » (1)
(1) - صحيح البخارى (3469 ) وصحيح مسلم (6357)
وفي فتح الباري لابن حجر - (ج 10 / ص 485)
قَوْله: ( مُحَدَّثُونَ ) بِفَتْحِ الدَّال جَمْع مُحَدَّث ، وَاخْتُلِفَ فِي تَأْوِيله فَقِيلَ: مُلْهَم ، قَالَهُ الْأَكْثَر قَالُوا: الْمُحَدَّث بِالْفَتْحِ هُوَ الرَّجُل الصَّادِق الظَّنّ ، وَهُوَ مَنْ أُلْقِيَ فِي رُوعه شَيْء مِنْ قِبَل الْمَلَأ الْأَعْلَى فَيَكُون كَالَّذِي حَدَّثَهُ غَيْره بِهِ ، وَبِهَذَا جَزَمَ أَبُو أَحْمَد الْعَسْكَرِيّ . وَقِيلَ مَنْ يَجْرِي الصَّوَاب عَلَى لِسَانه مِنْ غَيْر قَصْد ، وَقِيلَ مُكَلَّم أَيْ تُكَلِّمهُ الْمَلَائِكَة بِغَيْرِ نُبُوَّة ، وَهَذَا وَرَدَ مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا وَلَفْظه"قِيلَ يَا رَسُول اللَّه وَكَيْف يُحَدَّث ؟ قَالَ تَتَكَلَّم الْمَلَائِكَة عَلَى لِسَانه"رَوَيْنَاهُ فِي"فَوَائِد الْجَوْهَرِيّ"وَحَكَاهُ الْقَابِسِيّ وَآخَرُونَ ، وَيُؤَيِّدهُ مَا ثَبَتَ فِي الرِّوَايَة الْمُعَلَّقَة . وَيَحْتَمِل رَدّه إِلَى الْمَعْنَى الْأَوَّل أَيْ تُكَلِّمهُ فِي نَفْسه وَإِنْ لَمْ يَرَ مُكَلِّمًا فِي الْحَقِيقَة فَيَرْجِع إِلَى الْإِلْهَام ، وَفَسَّرَهُ اِبْن التِّين بِالتَّفَرُّسِ ، وَوَقَعَ فِي مُسْنَد"الْحُمَيْدِيّ"عَقِب حَدِيث عَائِشَة"الْمُحَدَّث الْمُلْهَم بِالصَّوَابِ الَّذِي يُلْقَى عَلَى فِيهِ"وَعِنْد مُسْلِم مِنْ رِوَايَة اِبْن وَهْب"مُلْهَمُونَ ، وَهِيَ الْإِصَابَة بِغَيْرِ نُبُوَّة"وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ عَنْ بَعْض أَصْحَاب اِبْن عُيَيْنَةَ"مُحَدَّثُونَ يَعْنِي مُفَهَّمُونَ"وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ"قَالَ إِبْرَاهِيم - يَعْنِي اِبْن سَعْد رِوَايَة - قَوْله مُحَدَّث أَيْ يُلْقَى فِي رُوعه"اِنْتَهَى ، وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث"إِنَّ اللَّه جَعَلَ الْحَقّ عَلَى لِسَان عُمَر وَقَلْبه"أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر ، وَأَحْمَد مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث بِلَال ، وَأَخْرَجَهُ فِي"الْأَوْسَط"مِنْ حَدِيث مُعَاوِيَة وَفِي حَدِيث أَبِي ذَرّ عِنْد أَحْمَد وَأَبِي دَاوُدَ"يَقُول بِهِ"بَدَل قَوْله"وَقَلْبه"وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي"الْأَوْسَط"مِنْ حَدِيث عُمَر نَفْسه .
قَوْله: ( زَادَ زَكَرِيَّا بْن أَبِي زَائِدَة عَنْ سَعْد ) هُوَ اِبْن إِبْرَاهِيم الْمَذْكُور ، وَفِي رِوَايَته زِيَادَتَانِ: إِحْدَاهُمَا بَيَان كَوْنهمْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل ، وَالثَّانِيَة تَفْسِير الْمُرَاد بِالْمُحَدَّثِ فِي رِوَايَة غَيْره فَإِنَّهُ قَالَ بَدَلهَا"يُكَلَّمُونَ مِنْ غَيْر أَنْ يَكُونُوا أَنْبِيَاء".
قَوْله: ( مِنْهُمْ أَحَد ) فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ"مِنْ أَحَد"وَرِوَايَة زَكَرِيَّا وَصَلَهَا الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبُو نُعَيْم فِي مُسْتَخْرَجَيْهِمَا ، وَقَوْله"وَإِنْ يَكُ فِي أُمَّتِي"قِيلَ لَمْ يُورِد هَذَا الْقَوْل مَوْرِد التَّرْدِيد فَإِنَّ أُمَّته أَفْضَل الْأُمَم ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ وُجِدَ فِي غَيْرهمْ فَإِمْكَان وُجُوده فِيهِمْ أَوْلَى ، وَإِنَّمَا أَوْرَدَهُ مَوْرِد التَّأْكِيد كَمَا يَقُول الرَّجُل: إِنْ يَكُنْ لِي صَدِيق فَإِنَّهُ فُلَان ، يُرِيد اِخْتِصَاصه بِكَمَالِ الصَّدَاقَة لَا نَفْي الْأَصْدِقَاء ، وَنَحْوه قَوْل الْأَجِير: إِنْ كُنْت عَمِلْت لَك فَوَفِّنِي حَقِّي ، وَكِلَاهُمَا عَالِم بِالْعَمَلِ لَكِنْ مُرَاد الْقَائِل أَنَّ تَأْخِيرك حَقِّي عَمَل مَنْ عِنْده شَكّ فِي كَوْنِي عَمِلْت . وَقِيلَ الْحِكْمَة فِيهِ أَنَّ وُجُودهمْ فِي بَنِي إِسْرَائِيل كَانَ قَدْ تَحَقَّقَ وُقُوعه ، وَسَبَب ذَلِكَ اِحْتِيَاجهمْ حَيْثُ لَا يَكُون حِينَئِذٍ فِيهِمْ نَبِيّ ، وَاحْتَمَلَ عِنْده صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا تَحْتَاج هَذِهِ الْأُمَّة إِلَى ذَلِكَ لِاسْتِغْنَائِهَا بِالْقُرْآنِ عَنْ حُدُوث نَبِيّ ، وَقَدْ وَقَعَ الْأَمْر كَذَلِكَ حَتَّى إِنَّ الْمُحَدَّث مِنْهُمْ إِذَا تَحَقَّقَ وُجُوده لَا يَحْكُم بِمَا وَقَعَ لَهُ بَلْ لَا بُدّ لَهُ مِنْ عَرْضه عَلَى الْقُرْآن ، فَإِنْ وَافَقَهُ أَوْ وَافَقَ السُّنَّة عَمِلَ بِهِ وَإِلَّا تَرَكَهُ ، وَهَذَا وَإِنْ جَازَ أَنْ يَقَع لَكِنَّهُ نَادِر مِمَّنْ يَكُون أَمْره مِنْهُمْ مَبْنِيًّا عَلَى اِتِّبَاع الْكِتَاب وَالسُّنَّة ، وَتَمَحَّضَت الْحِكْمَة فِي وُجُودهمْ وَكَثْرَتهمْ بَعْد الْعَصْر الْأَوَّل فِي زِيَادَة شَرَف هَذِهِ الْأُمَّة بِوُجُودِ أَمْثَالهمْ فِيهِ ، وَقَدْ تَكُون الْحِكْمَة فِي تَكْثِيرهمْ مُضَاهَاة بَنِي إِسْرَائِيل فِي كَثْرَة الْأَنْبِيَاء فِيهِمْ ، فَلَمَّا فَاتَ هَذِهِ الْأُمَّة كَثْرَة الْأَنْبِيَاء فِيهَا لِكَوْنِ نَبِيّهَا خَاتَم الْأَنْبِيَاء عُوِّضُوا بِكَثْرَةِ الْمُلْهَمِينَ . وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْمُرَاد بِالْمُحَدَّثِ الْمُلْهَم الْبَالِغ فِي ذَلِكَ مَبْلَغ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصِّدْق ، وَالْمَعْنَى لَقَدْ كَانَ فِيمَا قَبْلكُمْ مِنْ الْأُمَم أَنْبِيَاء مُلْهَمُونَ ، فَإِنْ يَكُ فِي أُمَّتِي أَحَد هَذَا شَأْنه فَهُوَ عُمَر ، فَكَأَنَّهُ جَعَلَهُ فِي اِنْقِطَاع قَرِينه فِي ذَلِكَ هَلْ نَبِيّ أَمْ لَا فَلِذَلِكَ أَتَى بِلَفْظِ"إِنْ"وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث"لَوْ كَانَ بَعْدِي نَبِيّ لَكَانَ عُمَر"فَلَوْ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ إِنْ فِي الْآخَر عَلَى سَبِيل الْفَرْض وَالتَّقْدِير ، اِنْتَهَى . وَالْحَدِيث الْمُشَار إِلَيْهِ أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالتِّرْمِذِيّ وَحَسَّنَهُ وَابْن حِبَّانَ وَالْحَاكِم مِنْ حَدِيث عُقْبَة بْن عَامِر ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي"الْأَوْسَط"مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد ، وَلَكِنْ فِي تَقْرِير الطِّيبِيّ نَظَر ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي نَفْس الْحَدِيث"مِنْ غَيْر أَنْ يَكُونُوا أَنْبِيَاء"وَلَا يَتِمّ مُرَاده إِلَّا بِفَرْضِ أَنَّهُمْ كَانُوا أَنْبِيَاء .