., وَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَخَذَ بِيَدِهِ وَقَالَ: « يَا مُعَاذُ وَاللَّهِ إِنِّى لأُحِبُّكَ وَاللَّهِ إِنِّى لأُحِبُّكَ » . فَقَالَ « أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لاَ تَدَعَنَّ فِى دُبُرِ كُلِّ صَلاَةٍ تَقُولُ اللَّهُمَّ أَعِنِّى عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ » (1)
(1) - سنن أبى داود (1524 ) صحيح
قَالَ صَاحِبُ عَوْنِ الْمَعْبُودِ (ج 3 / ص 447) :
( أَخَذَ بِيَدِهِ ) : كَأَنَّهُ عَقَدَ مَحَبَّة وَبَيْعَة مَوَدَّة
( وَاَللَّه إِنِّي لَأُحِبُّك ) : لَامُهُ لِلِابْتِدَاءِ وَقِيلَ لِلْقَسَمِ وَفِيهِ أَنَّ مَنْ أَحَبَّ أَحَدًا يُسْتَحَبُّ لَهُ إِظْهَار الْمَحَبَّةِ لَهُ
( فَقَالَ أُوصِيك يَا مُعَاذ لَا تَدَعَنَّ ) : إِذَا أَرَدْت ثَبَات هَذِهِ الْمَحَبَّة فَلَا تَتْرُكَنَّ
( فِي دُبُرِ كُلّ صَلَاة ) : أَيْ عَقِبَهَا وَخَلْفَهَا أَوْ فِي آخِرِهَا
( تَقُولُ اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرك ) : مِنْ طَاعَة اللِّسَان
( وَشُكْرِك ) : مِنْ طَاعَة الْجِنَان
( وَحُسْنِ عِبَادَتك ) : مِنْ طَاعَة الْأَرْكَان . قَالَ الطِّيبِيُّ: ذِكْر اللَّه مُقَدِّمَة اِنْشِرَاح الصَّدْر ، وَشُكْرُهُ وَسِيلَة النِّعَم الْمُسْتَجَابَة ، وَحُسْنُ الشَّهَادَة الْمَطْلُوب مِنْهُ التَّجَرُّدُ عَمَّا يَشْغَلُهُ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى . قَالَ النَّوَوِيُّ إِسْنَادُهُ صَحِيح ذَكَرَهُ فِي الْمِرْقَاة
وفي شرح بلوغ المرام - (ج 70 / ص 3)
قول الرسول صلى الله عليه وسلم له: (إني أحبك) ويكفي ذلك فضلًا لـ معاذ أن الرسول يحبه، وكما جاء في مثل هذا المعنى في غزوة خيبر لما استعصى حصن مرحب ، ورجعوا متأثرين، فقال صلى الله عليه وسلم: ( لأعطين الراية غدًا رجلًا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، يقول عمر: فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها، ويقول عمر وهو محل الشاهد: والله! ما تطلعت نفسي لرئاسة ولا لإمارة إلا تلك الليلة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ويحبه الله ورسوله ) ؛ لأن هذا ليس بالأمر الهين، ومع هذه المحبة يقول له: (أريد أن أوصيك) ، فهو أعلن من جانبه أيضًا: ( وأنا والله يا رسول الله أحبك ) ، وكون معاذ يحب رسول الله هذا أمر واجب، ( والله لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين ) { قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا } [التوبة:24] ، ولا ينبغي أبدًا أن يقدم محبة مخلوق عرضًا كان أو أصلًا، إنسانًا أو مالًا؛ على محبة رسول الله؛ لأن محبة رسول الله هي معيار الإيمان.
طلب العون من الله للعبد في العبادة
قال: (أوصني، قال: أوصيك إن استطعت -يعني بقدر ما تستطيع- ألا تدع -بمعنى: لا تترك- أن تقول دبر كل صلاة: اللهم أعني) تطلب العون من الله على ماذا؟ (أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) .
المتأمل في أكثر الأدعية والأذكار الواردة عقب الصلوات يجدها مرتبطة بجزئيات في صلاته، فالتسبيح والتحميد والتكبير، والاستعاذة من النار ومن عذاب القبر ومن فتنة ومن ومن ، وكذلك افتتاحية صلاتك بالفاتحة، ففي سورة الفاتحة: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } [الفاتحة:5] ، (أعني على) أعني: بمعنى الاستعانة، استعن بالله على ذكره، إياك نعبد، فهي جزء من الصلاة في الفاتحة { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } ، وما لم يكن هناك عون من الله للإنسان على طاعته وعبادته فليست هناك فائدة، فلا حول ولا قوة إلا بالله، لا حول عن معصية، ولا قوة على طاعة إلا بالله سبحانه.
(أعني على ذكرك) والصلاة من الذكر، أي: استعن بالله على الحفاظ على الصلاة، والصلاة عون هي بذاتها، قال الله: { وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ } [البقرة:45] .
(وعلى شكرك) شكر النعم بحسبها: تكون بالقول، وبالفعل، وبالقلب، وكما يقال: شكر النعمة عامل دوامها وحفظها، وبشكرها تدوم.
الوسطية في العبادة
وقوله: (وحسن عبادتك) ولم يقل: وكثرة؛ لأن الكثرة قد تكون كغثاء السيل، وكما في الحديث: ( تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وقيامكم مع قيامهم، لم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ) ، والمولى سبحانه يقول: { الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا } [الملك:2] ، ليس أكثر، فالنتيجة ليست بالكثرة، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم كره الكثرة؛ لأنها قد تؤدي إلى الملل ثم العجز.