(15) سورة فاطر ،وَقَدْ مَدَحَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ صِنْفَيْنِ مِنْ الْفُقَرَاءِ: أَهْلَ الصَّدَقَاتِ وَأَهْلَ الْفَيْءِ فَقَالَ فِي الصِّنْفِ الْأَوَّلِ: {لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ} (273) (1) سورة البقرة، وَقَالَ فِي الصِّنْفِ الثَّانِي وَهُمْ أَفْضَلُ الصِّنْفَيْنِ: {لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} (2) (8) سورة الحشر. وَهَذِهِ صِفَةُ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ هَجَرُوا السَّيِّئَاتِ وَجَاهَدُوا أَعْدَاءَ اللَّهِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ « أَلاَ أُخْبِرُكُمْ مَنِ الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ وَالْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ الْخَطَايَا وَالذُّنُوبَ وَالْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِى طَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ » (3) .
أَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي يَرْوِيه بَعْضُهُمْ أَنَّهُ قَالَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ { رَجَعْنَا مِنْ الْجِهَادِ الْأَصْغَرِ إلَى الْجِهَادِ الْأَكْبَرِ } (4)
(1) - اجْعَلُوا مَا تُنْفِقُونَ لِلَّذِينَ ذَكَرَ اللهُ صِفَاتِهِم الخَمْسَ ، التِي هِيَ أجَلُّ الأوْصَافِ قَدْرًا ، وَهِيَ: ( الإِحْصَارُ ، وَالعَجْزُ عَنِ الكَسْبِ ، وَالتَّعَفُّفُ ، وَمَعْرِفَتُهُمْ بِسِيمَاهُمْ ، وَعَدَمُ سُؤَالِهِمْ شَيئًا مِمَّا فِي أيدِي النَّاسِ ) . وَهؤُلاءِ هُمُ الفُقَرَاءُ مِنَ المُهَاجِرِينَ الذِينَ انْقَطَعُوا للهِ وَرَسُولِهِ ، وَسَكَنُوا المَدِينةَ ، وَلَيسَ لَهُمْ وَسيلةُ عَيْشٍ يُنْفِقُونَ مِنْها عَلَى أنْفُسِهِمْ ، وَهُمْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَفَرًا لِلْبَحْثِ عَن الرِّزْقِ ، وَيَحْسَبُهُمْ مَنْ لاَ يَعْرِفُهُمْ ، وَلا يَعْرِفُ حَقِيقَةَ حَالِهِمْ ، أنَّهُمْ أغْنِيَاءُ مِنْ تَعَفَّفِهِمْ فِي لِبَاسِهِمْ وَحَالِهِمْ وَمَقَالِهِمْ ، وَتَعْرِفُهُمْ بِمَا يَظْهَرُ لِذَوِي الألْبَابِ مِنْ صِفَاتِهِمْ: لاَ يُلِحُّونَ فِي المَسْألَةِ ، وَلاَ يَطْلُبُونَ مِنَ النَّاسِ مَا لاَ يَحْتَاجُونَ إليهِ .
وَجَميعُ مَا تُنْفِقُونَهُ مِنْ خَيرٍ فَإنَّ اللهُ عَالِمٌ بِهِ ، وَسَيَجْزِيكُمْ عَلَيهِ أوْفَى الجَزَاءِ يَوَمَ القيَامَةِ .
(2) - يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى حَالَةَ الفُقَرَاءِ المُسْتَحِقِّينَ لِمَالِ الفَيْءِ فَيَذْكُرُ أَنَّهُم الذِينَ اضْطَرَّهُم كُفَّارُ مَكَّةَ إِلَى الخُرُوجِ مِنْ دِيَارِهِمْ ، وَتَرْكِ أَمْوَالِهِمْ ، وَقَدْ فَعَلُوا ذَلِكَ طَلَبًا لِمَرْضَاةِ اللهِ تَعَالَى ، وابْتِغَاءَ ثَوَابِهِ ، وَنُصْرَةً للهِ وَرَسُولِهِ ، وَهَؤُلاَءِ هُمُ الصَّادِقُونَ فِي إِيْمَانِهِمْ ، الذِينَ وَفَّقُوا قَوْلَهُمْ مَعَ فِعْلِهِمْ ، وَهَؤُلاَءِ هُمُ المُهَاجِرُونَ .
(3) - مسند أحمد (24685و24694) وهو صحيح لغيره وبعضه في صحيح البخارى (10 )
(4) - وفي كشف الخفاء من المحدث (1362 ) رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر قالوا وما الجهاد الأكبر قال جهاد القلب.قال الحافظ ابن حجر في تسديد القوس هو مشهور على الألسنة وهو من كلام إبراهيم بن عيلة، انتهى،
وأقول الحديث في الإحياء قال العراقي رواه بسند ضعيف عن جابر ورواه الخطيب في تاريخه عن جابر بلفظ قدم النبي صلى الله عليه وسلم من غزاة فقال عليه الصلاة والسلام: قدمتم خير مقدم وقدمتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر قالوا: وما الجهاد الأكبر؟ قال: مجاهدة العبد هواه، انتهى،
والمشهور على الألسنة رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر دون باقيه ففيه اقتصار، انتهى
وفي تخريج أحاديث الكشاف - (ج 2 / ص 395)
825 -الحَدِيث الثَّالِث عشر عَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أَنه رَجَعَ من بعض غَزَوَاته فَقَالَ ( رَجعْنَا من الْجِهَاد الْأَصْغَر إِلَى الْجِهَاد الْأَكْبَر ) قلت غَرِيب جدا وَذكره الثَّعْلَبِيّ هَكَذَا من غير سَنَد وَرَوَى الْبَيْهَقِيّ فِي كتاب الزّهْد وَهُوَ مُجَلد لطيف أخبرنَا عَلّي بن أَحْمد بن عَبْدَانِ حَدثنَا أَحْمد بن عبيد حَدثنَا تمْتَام حَدثنَا عِيسَى بن إِبْرَاهِيم حَدثنَا يَحْيَى بن يعلي عَن لَيْث عَن عَطاء عَن جَابر قَالَ قدم عَلَى رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قوم غزَاة فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام قدمتم خير مقدم من الْجِهَاد الْأَصْغَر إِلَى الْجِهَاد الْأَكْبَر ) قيل وَمَا الْجِهَاد الْأَكْبَر قَالَ مجاهدة العَبْد هَوَاهُ )انْتَهَى قَالَ الْبَيْهَقِيّ هَذَا إِسْنَاد فِيهِ ضعف انْتَهَى.
وَرَوَى النَّسَائِيّ فِي كتاب الكنى أَخْبرنِي حَدثنَا أَبُو مَسْعُود مُحَمَّد بن زِيَاد الْمَقْدِسِي سَمِعت إِبْرَاهِيم بن أبي عبلة يَقُول لِأُنَاس جَاءُوا من الْغَزْو وَقد جئْتُمْ من الْجِهَاد الْأَصْغَر فَمَا فَعلْتُمْ فِي الْجِهَاد الْأَكْبَر قَالُوا يَا أَبَا إِسْمَاعِيل وَمَا الْجِهَاد الْأَكْبَر قَالَ جِهَاد الْقلب انْتَهَى
وانظر السلسلة الضعيفة (2460)
وفي زاد المعاد - (ج 3 / ص 5)
[ جِهَادُ أَعْدَاءِ اللّهِ فَرْعٌ عَلَى جِهَادِ النّفْسِ ]
وَلَمّا كَانَ جِهَادُ أَعْدَاءِ اللّهِ فِي الْخَارِجِ فَرْعًا عَلَى جِهَادِ الْعَبْدِ نَفْسِهِ فِي ذَاتِ قَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ: الْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللّهِ وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللّهُ عَنْهُ كَانَ جِهَادُ النّفْسِ مُقَدّمًا عَلَى جِهَادِ الْعَدُوّ فِي الْخَارِجِ وَأَصْلًا لَهُ فَإِنّهُ مَا لَمْ يُجَاهِدْ نَفْسَهُ أَوّلًا لِتَفْعَلَ مَا أُمِرْت بِهِ وَتَتْرُكَ مَا نُهِيت عَنْهُ وَيُحَارِبُهَا فِي اللّهِ لَمْ يُمْكِنْهُ جِهَادُ عَدُوّهِ فِي الْخَارِجِ فَكَيْفَ يُمْكِنُهُ جِهَادُ عَدُوّهِ وَالِانْتِصَافُ مِنْهُ وَعَدُوّهُ الّذِي بَيْنَ جَنْبَيْهِ قَاهِرٌ لَهُ مُتَسَلّطٌ عَلَيْهِ لَمْ يُجَاهِدْهُ وَلَمْ يُحَارِبْهُ فِي اللّهِ بَلْ لَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ إلَى عَدُوّهِ حَتّى يُجَاهِدَ نَفْسَهُ عَلَى الْخُرُوجِ .