فهرس الكتاب

الصفحة 148 من 322

.وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِيهَا نِزَاعٌ قَدِيمٌ بَيْنَ الجنيد وَبَيْن أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ عَطَاءٍ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ فِيهَا رِوَايَتَانِ وَالصَّوَابُ فِي هَذَا كُلِّهِ مَا قَالَهُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى حَيْثُ قَالَ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (1) (13) سورة الحجرات . وَفِي اِ لصحيح عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَنْ أَكْرَمُ النَّاسِ قَالَ: « أَتْقَاهُمْ » . فَقَالُوا لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ . قَالَ: « فَيُوسُفُ نَبِىُّ اللَّهِ ابْنُ نَبِىِّ اللَّهِ ابْنِ نَبِىِّ اللَّهِ ابْنِ خَلِيلِ اللَّهِ » . قَالُوا لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ . قَالَ: « فَعَنْ مَعَادِنِ الْعَرَبِ تَسْأَلُونَ خِيَارُهُمْ فِى الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِى الإِسْلاَمِ إِذَا فَقُهُوا » (2) .

(1) - يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالى في هذِهِ الآيةِ أنَّ النَّاسَ جَمِيعًا إخوةٌ لأمٍّ وأبٍ ، وَلِذَلِكَ فَلَيسَ لأحَدٍ مْنهُمْ أنْ يَسْتَعْلِيَ عَلَى أحَدٍ مِنْ إخْوَتِهِ ، وَلا أنْ يُسيءَ إليهِ ، وَلا أنْ يَنْتَقِصَهُ ، وَلا أنْ يَغْتَابَهُ . وَقَدْ جَعَلَ اللهُ تَعَالَى البَشَرَ بالتَّكاثُرِ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ مُخْتَلِفَةً لِيتَمَكَّنَ بَعْضُهُم مِنْ مَعْرِفَةِ بَعْضٍ ، كأنْ يُقَالَ هذا فُلانُ بنُ فَلاَنٍ مِنْ قَبيلَةِ كَذَا مِنْ بَطْنِ كَذَا . وَلاَ فَضْلَ لأحَدٍ عَلَى أحَدٍ إلا بالتَّقْوى ، وَالأتْقَى هُوَ الأكْرِمُ عِنْدَ اللهِ ، وَالأرْفَعُ مَنْزِلَةً ، وَلاَ قِيمَةَ في مِيِزَانِ اللهِ لِلأمْوالِ والأحْسَابِ وَالأولادِ ، وَإِنَّما القِيمَةُ للتُّقى وَالصَّلاحِ وَطَهَارَةِ القَلْبِ ، وَالخَوفِ مِنَ اللهِ ، وَالإِخْلاَصِ في مَحَبَّةِ النَّاسِ ، وَالنُّصْح لَهُمْ . وَاللهُ عَلِيمٌ بِما تَنْطَوِي عَلَيهِ الصُّدُورُ ، خَبيرٌ بأُمُورِ العِبَادِ .

( وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ:"يَا أيُّها النَّاسُ إنَّ اللهَ أذْهَبَ عَنْكُمْ حَمِيَّةَ الجَاهِلِيَّةِ ، وَتَعظُّمَها بِآبائِها ، فَالنَّاسُ رَجُلانِ: رَجُلٌ بَرٌّ نَقِيٌّ كَرِيمٌ عَلَى اللهِ ، وَرَجُلٌ فَاجِرٌ شَقيُّ هَيِّنٌ عَلَى الله تَعَالى") . ثُمَّ تَلاَ هَذِهِ الآيَةَ .

(2) - صحيح البخارى (3353 ) ومسلم (6311 )

وفي شرح النووي على مسلم - (ج 8 / ص 112)

قَالَ الْعُلَمَاء: وَأَصْل الْكَرَم كَثْرَة الْخَيْر ، وَقَدْ جَمَعَ يُوسُف صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَارِم الْأَخْلَاق ، مَعَ شَرَف النُّبُوَّة ، مَعَ شَرَف النَّسَب ، وَكَوْنه نَبِيًّا اِبْن ثَلَاثَة أَنْبِيَاء مُتَنَاسِلِينَ أَحَدهمْ خَلِيل اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَانْضَمَّ إِلَيْهِ شَرَف عِلْم الرُّؤْيَا ، وَتَمَكُّنه فِيهِ ، وَرِيَاسَة الدُّنْيَا ، وَمُلْكهَا بِالسِّيرَةِ الْجَمِيلَة ، وَحِيَاطَته لِلرَّعِيَّةِ ، وَعُمُوم نَفْعه إِيَّاهُمْ ، وَشَفَقَته عَلَيْهِمْ ، وَإِنْقَاذه إِيَّاهُمْ مِنْ تِلْكَ السِّنِينَ . وَاَللَّه أَعْلَم .

قَالَ الْعُلَمَاء: لَمَّا سُئِلَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ النَّاس أَكْرَم ؟ أَخْبَرَ بِأَكْمَل الْكَرَم وَأَعَمّه ، فَقَالَ: أَتْقَاهُمْ لِلَّهِ . وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ أَصْل الْكَرَم كَثْرَة الْخَيْر ، وَمَنْ كَانَ مُتَّقِيًا كَانَ كَثِير الْخَيْر وَكَثِير الْفَائِدَة فِي الدُّنْيَا ، وَصَاحِب الدَّرَجَات الْعُلَا فِي الْآخِرَة . فَلَمَّا قَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُك قَالَ: يُوسُف الَّذِي جَمَعَ خَيْرَات الْآخِرَة وَالدُّنْيَا وَشَرَفهمَا . فَلَمَّا قَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُ ، فَهِمَ عَنْهُمْ أَنَّ مُرَادهمْ قَبَائِل الْعَرَب قَالَ:"خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّة خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَام إِذَا فَقُهُوا"وَمَعْنَاهُ أَنَّ أَصْحَاب الْمُرُوءَات وَمَكَارِم الْأَخْلَاق فِي الْجَاهِلِيَّة إِذَا أَسْلَمُوا أَوْ فَقُهُوا فَهُمْ خِيَار النَّاس . قَالَ الْقَاضِي: وَقَدْ تَضَمَّنَ الْحَدِيث فِي الْأَجْوِبَة الثَّلَاثَة أَنَّ الْكَرَم كُلّه عُمُومه وَخُصُوصه وَمُجْمَله وَمُبَانه . إِنَّمَا هُوَ الدِّين مِنْ التَّقْوَى وَالنُّبُوَّة وَالْإِغْرَاق فِيهَا وَالْإِسْلَام مَعَ الْفِقْه ، وَمَعْنَى مَعَادِن الْعَرَب أُصُولهَا وَفَقُهُوا بِضَمِّ الْقَاف عَلَى الْمَشْهُور ، وَحُكِيَ كَسْرُهَا أَيْ صَارُوا فُقَهَاء عَالَمِينَ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّة الْفِقْهِيَّة وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت