.وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِى قَيْسٍ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: يَقُولُ « إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ » (1)
(1) - صحيح البخارى (7352 ) 133/9 ومسلم (4584 )
وفي فتح الباري لابن حجر - (ج 20 / ص 414)
قَوْله ( إِذَا حَكَمَ الْحَاكِم فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ ) فِي رِوَايَة أَحْمَد"فَأَصَابَ"قَالَ الْقُرْطُبِيّ: هَكَذَا وَقَعَ فِي الْحَدِيث بَدَأَ بِالْحُكْمِ قَبْل الِاجْتِهَاد ، وَالْأَمْر بِالْعَكْسِ فَإِنَّ الِاجْتِهَاد يَتَقَدَّم الْحُكْم إِذْ لَا يَجُوز الْحُكْم قَبْل الِاجْتِهَاد اِتِّفَاقًا ، لَكِنَّ التَّقْدِير فِي قَوْله"إِذَا حَكَمَ"إِذَا أَرَادَ أَنْ يَحْكُم فَعِنْد ذَلِكَ يَجْتَهِد ، قَالَ وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ أَهْل الْأُصُول قَالُوا: يَجِب عَلَى الْمُجْتَهِد أَنْ يُجَدِّد النَّظَر عِنْد وُقُوع النَّازِلَة ، وَلَا يَعْتَمِد عَلَى مَا تَقَدَّمَ لَهُ لِإِمْكَانِ أَنْ يَظْهَر لَهُ خِلَاف غَيْره اِنْتَهَى ، وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون الْفَاء تَفْسِيرِيَّة لَا تَعْقِيبِيَّة وَقَوْله"فَأَصَابَ"أَيْ صَادَفَ مَا فِي نَفْس الْأَمْر مِنْ حُكْم اللَّه تَعَالَى .
قَوْله ( ثُمَّ أَخْطَأَ ) أَيْ ظَنَّ أَنَّ الْحَقّ فِي جِهَة ، فَصَادَفَ أَنَّ الَّذِي فِي نَفْس الْأَمْر بِخِلَافِ ذَلِكَ ، فَالْأَوَّل لَهُ أَجْرَانِ: أَجْر الِاجْتِهَاد وَأَجْر الْإِصَابَة . وَالْآخَر لَهُ أَجْر الِاجْتِهَاد فَقَطْ ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَى وُقُوع الْخَطَأ فِي الِاجْتِهَاد فِي حَدِيث أُمّ سَلَمَة"إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضكُمْ أَنْ يَكُون أَلْحَن بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْض"وَأَخْرَجَ لِحَدِيثِ الْبَاب سَبَبًا مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عَمْرو بْن الْعَاصِ مِنْ طَرِيق وَلَده عَبْد اللَّه بْن عَمْرو عَنْهُ ،"قَالَ: جَاءَ رَجُلَانِ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْتَصِمَانِ فَقَالَ لِعَمْرو اِقْضِ بَيْنهمَا يَا عَمْرو ، قَالَ: أَنْتَ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنِّي يَا رَسُول اللَّه ، قَالَ: وَإِنْ كَانَ قَالَ فَإِذَا قَضَيْت بَيْنهمَا فَمَا لِي"فَذَكَرَ نَحْوه لَكِنْ قَالَ: فِي الْإِصَابَة"فَلَك عَشْرُ حَسَنَات"وَأَخْرَجَ مِنْ حَدِيث عُقْبَة بْن عَامِر نَحْوه بِغَيْرِ قِصَّة بِلَفْظِ"فَلَك عَشَرَة أُجُور"وَفِي سَنَد كُلّ مِنْهُمَا ضَعْف ، وَلَمْ أَقِف عَلَى اِسْم مِنْ أُبْهِم فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ .
قَالَ أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ تَعَلَّقَ بِهَذَا الْحَدِيث مَنْ قَالَ إِنَّ الْحَقّ فِي جِهَة وَاحِدَة لِلتَّصْرِيحِ بِتَخْطِئَةِ وَاحِد لَا بِعَيْنِهِ ، قَالَ وَهِيَ نَازِلَة فِي الْخِلَاف عَظِيمَة ، وَقَالَ الْمَازِرِيّ تَمَسَّكَ بِهِ كُلّ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ مَنْ قَالَ إِنَّ الْحَقّ فِي طَرَفَيْنِ ، وَمَنْ قَالَ إِنَّ كُلّ مُجْتَهِد مُصِيب ، أَمَّا الْأُولَى فَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كُلٌّ مُصِيبًا لَمْ يُطْلِق عَلَى أَحَدهمَا الْخَطَأ لِاسْتِحَالَةِ النَّقِيضَيْنِ فِي حَالَة وَاحِدَة ؛ وَأَمَّا الْمُصَوِّبَة فَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ لَهُ أَجْرًا فَلَوْ كَانَ لَمْ يُصِبْ لَمْ يُؤْجَر ، وَأَجَابُوا عَنْ إِطْلَاق الْخَطَأ فِي الْخَبَر عَلَى مَنْ ذَهَلَ عَنْ النَّصّ أَوْ اِجْتَهَدَ فِيمَا لَا يَسُوغ الِاجْتِهَاد فِيهِ مِنْ الْقَطْعِيَّات فِيمَا خَالَفَ الْإِجْمَاع فَإِنَّ مِثْل هَذَا إِنْ اُتُّفِقَ لَهُ الْخَطَأ فِيهِ نَسَخَ حُكْمه وَفَتْوَاهُ وَلَوْ اِجْتَهَدَ بِالْإِجْمَاعِ ، وَهُوَ الَّذِي يَصِحّ عَلَيْهِ إِطْلَاق الْخَطَأ ، وَأَمَّا مَنْ اِجْتَهَدَ فِي قَضِيَّة لَيْسَ فِيهَا نَصّ وَلَا إِجْمَاع فَلَا يُطْلَق عَلَيْهِ الْخَطَأ ، وَأَطَالَ الْمَازِرِي ّفِي تَقْرِير ذَلِكَ وَالِانْتِصَار لَهُ ، وَخَتَمَ كَلَامه بِأَنْ قَالَ إِنَّ مَنْ قَالَ إِنَّ الْحَقّ فِي طَرَفَيْنِ هُوَ قَوْل أَكْثَر أَهْل التَّحْقِيق مِنْ الْفُقَهَاء وَالْمُتَكَلِّمِينَ ؛ وَهُوَ مَرْوِيّ عَنْ الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَإِنْ حَكَى عَنْ كُلّ مِنْهُمْ اِخْتِلَاف فِيهِ . قُلْت: وَالْمَعْرُوف عَنْ الشَّافِعِيّ الْأَوَّل ، قَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي الْمُفْهِم: الْحُكْم الْمَذْكُور يَنْبَغِي أَنْ يَخْتَصّ بِالْحَاكِمِ بَيْن الْخَصْمَيْنِ ، لِأَنَّ هُنَاكَ حَقًّا مُعَيَّنًا فِي نَفْس الْأَمْر يَتَنَازَعهُ الْخَصْمَانِ ، فَإِذَا قَضَى بِهِ لِأَحَدِهِمَا بَطَلَ حَقّ الْآخِر قَطْعًا ، وَأَحَدهمَا فِيهِ مُبْطِل لَا مَحَالَة ، وَالْحَاكِم لَا يَطَّلِع عَلَى ذَلِكَ فَهَذِهِ الصُّورَة لَا يَخْتَلِف فِيهَا أَنَّ الْمُصِيب وَاحِد لِكَوْنِ الْحَقّ فِي طَرَف وَاحِد ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَخْتَصّ الْخِلَاف بِأَنَّ الْمُصِيب وَاحِد ، إِذْ كُلُّ مُجْتَهِد مُصِيبٌ بِالْمَسَائِلِ الَّتِي يُسْتَخْرَج الْحَقّ مِنْهَا بِطَرِيقِ الدَّلَالَة ، وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ: عِنْدِي فِي هَذَا الْحَدِيث فَائِدَة زَائِدَة حَامُوا عَلَيْهَا فَلَمْ يُسْقَوْا وَهِيَ: أَنَّ الْأَجْر عَلَى الْعَمَل الْقَاصِر عَلَى الْعَامِل وَاحِد ، وَالْأَجْر عَلَى الْعَمَل الْمُتَعَدِّي يُضَاعَف ، فَإِنَّهُ يُؤْجَر فِي نَفْسه وَيَنْجَرُّ لَهُ كُلُّ مَا يَتَعَلَّق بِغَيْرِهِ مِنْ جِنْسه فَإِذَا قَضَى بِالْحَقِّ وَأَعْطَاهُ لِمُسْتَحِقِّهِ ثَبَتَ لَهُ أَجْر اِجْتِهَاده وَجَرَى لَهُ مِثْل أَجْر مُسْتَحِقّ الْحَقّ ، فَلَوْ كَانَ أَحَد الْخَصْمَيْنِ أَلْحَن بِحُجَّتِهِ مِنْ الْآخَر فَقَضَى لَهُ - وَالْحَقّ فِي نَفْس الْأَمْر لِغَيْرِهِ - كَانَ لَهُ أَجْر الِاجْتِهَاد فَقَطْ . قُلْت: وَتَمَامه أَنْ يُقَال: وَلَا يُؤَاخَذ بِإِعْطَاءِ الْحَقّ لِغَيْرِ مُسْتَحِقّه لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَمَّد ذَلِكَ بَلْ وِزْر الْمَحْكُوم لَهُ قَاصِر عَلَيْهِ ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحَلّ ذَلِكَ أَنْ يَبْذُل وُسْعه فِي الِاجْتِهَاد وَهُوَ مِنْ أَهْله ، وَإِلَّا فَقَدْ يَلْحَق بِهِ الْوِزْر إِنْ أَخَلَّ بِذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَم .