فهرس الكتاب

الصفحة 126 من 322

، فَكَانَتْ أَعْمَالُهُمْ كُلُّهَا عِبَادَاتٍ لِلَّهِ فَشَرِبُوا صِرْفًا كَمَا عَمِلُوا لَهُ صِرْفًا، وَالْمُقْتَصِدُونَ كَانَ فِي أَعْمَالِهِمْ مَا فَعَلُوهُ لِنُفُوسِهِمْ فَلَا يُعَاقَبُونَ عَلَيْهِ وَلَا يُثَابُونَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَشْرَبُوا صِرْفًا ؛ بَلْ مُزِجَ لَهُمْ مِنْ شَرَابِ الْمُقَرَّبِينَ بِحَسَبِ مَا مَزَجُوهُ فِي الدُّنْيَا .

وَنَظِيرُ هَذَا انْقِسَامُ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ إلَى عَبْدٍ رَسُولٍ وَنَبِيٍّ مَلِكٍ وَقَدْ خَيَّرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا رَسُولًا وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا مَلِكًا فَاخْتَارَ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا رَسُولًا (1) ، فَالنَّبِيُّ الْمَلِكُ مِثْلُ داود وَسُلَيْمَانَ وَنَحْوِهِمَا عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ،قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي قِصَّةِ سُلَيْمَانَ الَّذِي { قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (35) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (36) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) وَآَخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (38) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (39) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآَبٍ (40) } (2) [ص/35-40] ، أَيْ أَعْطِ مَنْ شِئْت وَاحْرِمْ مَنْ شِئْت لَا حِسَابَ عَلَيْك، فَالنَّبِيُّ الْمَلِكُ يَفْعَلُ مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَيَتْرُكُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَيَتَصَرَّفُ فِي الْوِلَايَةِ وَالْمَالِ بِمَا يُحِبُّهُ وَيَخْتَارُ مِنْ غَيْرِ إثْمٍ عَلَيْهِ .

وَأَمَّا الْعَبْدُ الرَّسُولُ فَلَا يُعْطِي أَحَدًا إلَّا بِأَمْرِ رَبِّهِ ،وَلَا يُعْطِي مَنْ يَشَاءُ وَيَحْرِمُ [ مَنْ يَشَاءُ بَلْ رُوِيَ عَنْهُ ] أَنَّهُ قَالَ: « مَا أُعْطِيكُمْ وَلاَ أَمْنَعُكُمْ ، أَنَا قَاسِمٌ أَضَعُ حَيْثُ أُمِرْتُ » (3) ، وَلِهَذَا يُضِيفُ اللَّهُ الْأَمْوَالَ الشَّرْعِيَّةَ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} (4)

(1) - عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ:جَلَسَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ فَإِذَا مَلَكٌ يَنْزِلُ فَقَالَ جِبْرِيلُ:إِنَّ هَذَا الْمَلَكَ مَا نَزَلَ مُنْذُ يَوْمِ خُلِقَ قَبْلَ السَّاعَةِ فَلَمَّا نَزَلَ قَالَ يَا مُحَمَّدُ:أَرْسَلَنِى إِلَيْكَ رَبُّكَ أَفَمَلَكًا نَبِيًّا يَجْعَلُكَ أَوْ عَبْدًا رَسُولًا قَالَ جِبْرِيلُ:تَوَاضَعْ لِرَبِّكَ يَا مُحَمَّدُ. قَالَ: « بَلْ عَبْدًا رَسُولًا » .مسند أحمد (7359) صحيح

(2) - فَسَأَلَ سُلَيْمَانُ رَبَّهُ المَغْفِرَةَ ، وَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يَمْنَحَهُ مُلْكًا عَظِيمًا لاَ يَتَسَنَّى لأَحَدٍ بَعْدَهُ أَنْ يَمْلِكَهُ ، لِيَكُونَ ذَلِكَ دَلاَلَةً عَلَى نُبُوَّتِهِ ، وَاللهُ تَعَالَى هُوَ الوَهَّابُ الوَاسِعُ العَطَاءِ .

فَاسْتَجَابَ اللهُ تَعَالَى لِدَعْوَتِهِ ، وَسَخَّرَ لَهُ الرِّيَاحَ ، وَجَعَلَهَا مُذللَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ لَيِّنَةً طَيِّعَةً ، حَيْثُ أَرَادَ تُوْجِيهَهَا ، لاَ تَمْتَنِعُ عَنْ ذَلِكَ .

وَسَخَّرَ اللهُ تَعَالَى لَهُ الشَّيَاطِينَ البَنَّائِينَ وَالغَوَّاصِينَ يَعْمَلُونَ بِأَمْرِهِ مَا يُكَلِّفُهُمُ القِيَامَ بِهِ مِنَ الأَعْمَالِ الشَّاقَّةِ ، مِنْ غَوْصٍ فِي البِحَارِ لاسْتِخْرَاجِ اللآلِئِ والنَّفَائِسِ ، وَمِنْ بِنَاءِ مَا يُرِيدُ بِنَاءَهُ مِنْ قُصُورٍ وَبُيُوتٍ وَمَعَابِدَ .

أَخْضَعَ اللهُ تَعَالَى الشَّيَاطِينَ ، المُشَاكِسِينَ المُتَمَرِّدِينَ ، لأَمْرِ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ ، فَوَضَعَهُمْ سُلَيمَانُ فِي القُيُودِ والأَصْفَادِ لِيَتَّقِيَ شَرَّهُمْ ، وَيَكفَّ فَسَادَهُمْ عَنِ العِبَادِ .

وَقَالَ اللهُ تَعَالَى لِسُلَيْمَانَ: هَذَا الذِي مَنَحَكَ اللهُ إِيَّاهُ ، هُوَ عَطَاءٌ خَاصٌّ مِنَ اللهِ بِكَ ، فَأَعْطِ مَا شِئْتَ لِمَنْ شِئتَ ، وَامْنَعْ مَنْ شِئْتَ غَيْرَ مُحَاسَبٍ عَلَى شَيءٍ مِنْ ذَلِكَ ، فَأَنْتَ حُرٌّ مُطْلَقُ التَّصَرُّفِ .

وَإِنَّ لِسُلِيْمَانَ فِي الآخِرَةِ عِنْدَ اللهِ لَقُرْبَةً وَكَرَامَةً وَحَظًا عَظِيمًا .

(3) - صحيح البخارى (3117 )

وَالْمَعْنَى لَا أَتَصَرَّفُ فِيكُمْ بِعَطِيَّةٍ وَلَا مَنْعٍ بِرَأْيِي ، وَقَوْلُهُ"إِنَّمَا أَنَا الْقَاسِمُ أَضَعُ حَيْثُ أُمِرْت"أَيْ لَا أُعْطِي أَحَدًا وَلَا أَمْنَعُ أَحَدًا إِلَّا بِأَمْرِ اللَّهِ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ"إِنْ أَنَا إِلَّا خَازِنٌ".

(4) - الأنفالُ هِيَ المَغَانِمُ التِي يَغْنَمُها المُقَاتِلُونَ فِي الحَرْبِ . وَقَدْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي بَدْرٍ حِينَ اخْتَلَفَ المُسْلِمُونَ ، بَعْدَ نَصْرِهِمْ عَلَى قُرَيْشٍ ، حَوْلَ الطَّرِيقَةِ التِي تُقْسَمُ بِمُوجِبِهَا الغَنَائِمُ ، كُلٌّ مِنْهُمْ يَدَّعِي الفَضْلَ فِي نَصْرِ المُسْلِمِينَ ، وَهَزِيمة أعْدَائِهِمْ ، فَانْتَزَعَها اللهُ مِنْ أَيْدِيهِمْ ، وَجَعَلَها إلى اللهِ ، وَإلى رَسُولِهِ ، لِيَقْسِمَها الرَّسُولُ بَيْنَ المُسْلِمِينَ .

وَيَقُولُ تَعَالَى: يَسْألُكَ المُسْلِمُونَ عَنِ الأَنْفَالِ . قُلْ: هِيَ للهِ يَحْكُمُ فِيهَا بِحُكْمِهِ ، وَلِلرَّسُولِ يَقْسِمها وَفْقًا لِمَا شَرَعَهُ اللهُ ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي أُمُورِكُمْ ، وَاجْتَنِبُوا مَا كُنْتُمْ فِيهِ مِنَ الخِلافِ حَوْلَ قِسْمَتِها ، وَأَصْلِحُوا فِيمَا بَيْنَكُمْ ، وَلا تَخْتَصِمُوا وَلا تَتَظَالَمُوا ، وَلاَ تَتَشَاتَمُوا ، وَلاَ يُعَنِّفُ بَعْضُكُمْ بَعضًا ، فَمَا آتَاكُمُ اللهُ مِنَ الهُدى خَيْرٌ مِمَّا تَخْتَصِمُونَ فِيهِ ، وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ فِي قِسْمَتِهَا ، فَإِنَّ الرَّسُولَ إِنَّمَا يَقْسِمُها وَفْقًا لِمَا أَمَرَهُ اللهُ بِهِ ، مِنْ عَدْلٍ وَإِنْصَافٍ ، وَالمُؤْمِنُونَ المُتَّقُونَ ، ذَوُو الإِيمَانِ الكَامِلِ ، هُمُ الذِينَ يُطِيعُونَ اللهَ فِيمَا حَكَمَ ، وَيُطِيعُونَ رَسُولَهُ فِيمَا قَسَمَ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت