فهرس الكتاب

الصفحة 115 من 322

وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ:أَدْرَكْتُ ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُولُ إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ" (1) "

(1) - صحيح البخارى - (ج 1 / ص 93) 36 - باب خَوْفِ الْمُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ وَهُوَ لاَ يَشْعُرُ .معلقًا

فتح الباري لابن حجر - (ج 1 / ص 76)

هَذَا التَّعْلِيق وَصَلَهُ اِبْن أَبِي خَيْثَمَةَ فِي تَارِيخه ، لَكِنْ أَبْهَمَ الْعَدَد . وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُحَمَّد بْن نَصْر الْمَرْوَزِيّ مُطَوَّلًا فِي كِتَاب الْإِيمَان لَهُ ، وَعَيَّنَهُ أَبُو زُرْعَة الدِّمَشْقِيّ فِي تَارِيخه مِنْ وَجْه آخَر مُخْتَصَرًا كَمَا هُنَا ، وَالصَّحَابَة الَّذِينَ أَدْرَكَهُمْ اِبْن أَبِي مُلَيْكَة مِنْ أَجَلّهمْ عَائِشَة وَأُخْتهَا أَسْمَاء وَأُمّ سَلَمَة وَالْعَبَادِلَة الْأَرْبَعَة وَأَبُو هُرَيْرَة وَعُقْبَة بْن الْحَارِث وَالْمِسْوَر بْن مَخْرَمَةَ ، فَهَؤُلَاءِ مِمَّنْ سَمِعَ مِنْهُمْ ، وَقَدْ أَدْرَكَ بِالسِّنِّ جَمَاعَة أَجَلّ مِنْ هَؤُلَاءِ كَعَلِيِّ بْن أَبِي طَالِب وَسَعْد بْن أَبِي وَقَّاص ، وَقَدْ جَزَمَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَخَافُونَ النِّفَاق فِي الْأَعْمَال ، وَلَمْ يُنْقَل عَنْ غَيْرهمْ خِلَاف ذَلِكَ فَكَأَنَّهُ إِجْمَاع ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُؤْمِن قَدْ يَعْرِض عَلَيْهِ فِي عَمَله مَا يَشُوبهُ مِمَّا يُخَالِف الْإِخْلَاص . وَلَا يَلْزَم مِنْ خَوْفهمْ مِنْ ذَلِكَ وُقُوعه مِنْهُمْ ، بَلْ ذَلِكَ عَلَى سَبِيل الْمُبَالَغَة مِنْهُمْ فِي الْوَرَع وَالتَّقْوَى رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ . وَقَالَ اِبْن بَطَّال: إِنَّمَا خَافُوا لِأَنَّهُمْ طَالَتْ أَعْمَارهمْ حَتَّى رَأَوْا مِنْ التَّغَيُّر مَا لَمْ يَعْهَدُوهُ وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى إِنْكَاره ، فَخَافُوا أَنْ يَكُونُوا دَاهَنُوا بِالسُّكُوتِ .

قَوْله: ( مَا مِنْهُمْ أَحَد يَقُول إِنَّهُ عَلَى إِيمَان جِبْرِيل وَمِيكَائِيل ) أَيْ لَا يَجْزِم أَحَد مِنْهُمْ بِعَدَمِ عُرُوض النِّفَاق لَهُمْ كَمَا يُجْزَم بِذَلِكَ فِي إِيمَان جِبْرِيل ، وَفِي هَذَا إِشَارَة إِلَى أَنَّ الْمَذْكُورِينَ كَانُوا قَائِلِينَ بِتَفَاوُتِ دَرَجَات الْمُؤْمِنِينَ فِي الْإِيمَان ، خِلَافًا لِلْمُرْجِئَةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ إِيمَان الصِّدِّيقِينَ وَغَيْرهمْ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَة . وَقَدْ رُوِيَ فِي مَعْنَى أَثَر اِبْن أَبِي مُلَيْكَة حَدِيث عَنْ عَائِشَة مَرْفُوع رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَط لَكِنَّ إِسْنَاده ضَعِيف .

وفي فتح الباري لابن رجب - (ج 1 / ص 99) :

ومعناه: أن المؤمن يصف الإيمان بقوله ، وعمله نقص عن وصفه ، فيخشى على نفسه أن يكون عمله مكذبا لقوله ، كما روي عن حذيفة أنه قال: المنافق: الذي يصف الإسلام ولا يعمل به . وعن عمر قال: إن أخوف ما أخاف عليكم المنافق العليم ، قالوا: وكيف يكون المنافق عليما ؟ قال: يتكلم بالحكمة ويعمل بالجور أو قال بالمنكر . وقال الجعد أبو عثمان: قلت لأبي رجاء العطاردي: هل أدركت من أدركت من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يخشون النفاق قال: نعم ، إني أدركت بحمد الله منهم صدرا حسنا ، نعم شديدا نعم شديدا . وكان قد أدرك عمر .

وممن كان يتعوذ من النفاق من الصحابة: حذيفة ، وأبو الدرداء ، وأبو أيوب الأنصاري . وأما التابعون: فكثير ، قال ابن سيرين: ما علي شيء أخوف من هذه الآية { وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ } [ البقرة 8 ] . وقال أيوب: كل آية في القرآن فيها ذكر النفاق أخافها على نفسي . وقال معاوية بن قرة: كان عمر يخشاه وآمنه أنا ؟ . وكلام الحسن في هذا المعنى كثير جدا . وكذلك كلام أئمة الإسلام بعدهم . قال زيد بن الزرقاء ، عن سفيان الثوري: خلاف ما بيننا وبين المرجئة ثلاث:

نقول الإيمان قول وعمل ، وهو يقولون: الإيمان قول ولا عمل

ونقول: الإيمان يزيد وينقص ، وهم يقولون: لا يزيد ولا ينقص .

ونحن نقول: النفاق ، وهم يقولون: لا نفاق .

وقال أبو إسحاق الفزاري ، عن الأوزاعي: قد خاف عمر على نفسه النفاق قال: فقلت للأوزاعي: إنهم يقولون: إن عمر لم يخف أن يكون يومئذ منافقا حين سأل حذيفة ؛ لكن خاف أن يبتلى بذلك قبل أن يموت ، قال: هذا قول أهل البدع .

وقال الإمام أحمد - في رواية هانيء وسئل: ما يقول فيمن لا يخاف النفاق على نفسه ؟ ، - فقال: ومن يأمن على نفسه النفاق ؟ .

وأصل هذا يرجع إلى ما سبق ذكره أن النفاق أصغر وأكبر ؛ فالنفاق الأصغر: هو نفاق العمل وهو الذي خافه هؤلاء على أنفسهم ؛ وهو باب النفاق الأكبر ، فيخشى على من غلب عليه خصال النفاق الأصغر: في حياته أن يخرجه ذلك إلى النفاق الأكبر حتى ينسلخ من الإيمان بالكلية ، كما قال تعالى { فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ } [ الصف: 5 ] وقال وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّة [ الأنعام: 110 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت