الصفحة 34 من 37

ثم انتقل - رحمه الله - إلى الحديث عن مواقع أخرى من العالم الإسلامي، فقال: (وهذا الشمال(1) قد أصبح أهله كأصحاب الشِّمال في سموم من الاستعمار وحميم، وظلٍّ من يحموم, لا بارد ولا كريم، أفسد الاستعمار أخلاقَهم، ووهَّن عزائمهم، وفرَّق بين أجزائهم؛ لئلا يجتمعوا، وقطع الصلة بينهم وبين ماضيهم؛ لئلا يذَّكروا، وضرب بينهم وبين العلم بسور له باب، ومكَّن فيهم الضعف والانحلال؛ بما زيَّن لهم من سوء الأعمال، وبما غزا به نفوسهم وعواطفهم من أفكار ومغريات. وهذه تركيا ذات السلف الصالح في رَفْع منارِك (2) ،وإقامة شعارك - واقفَةٌ على صراطٍ أدق من السيف، واقعه بين دبٍّ عارمٍ يترقب الفرصة لازدرادها، وبين محتالٍ بارع يمد الشباك لاصطيادها، ويطوي في العمل لتحريرها نية استعبادها، ويداويها من المرض الأحمر بالداء الأصفر.

وهذا الهند الإسلامي، لا يكاد يظفر بالأمنية التي سلخ في انتظارها القرون، وبذل في تحصيلها الجهود؛ ليستعيد تراث الإسلام الذي أثَّله المهلب، والثقفي (3) حتى تعاجله الدسائس، والفتن، حتى ليوشك أن يرجع إلى العبودية طائعًا مختارًا، فيسجل على نفسه عار الدهر وخزي الأبد (4) ) .

(1) يعني شمال أفريقيا.

(2) الضمير في منارك يعود على العيد؛ لأن الحديث في سياقه.

(3) يعني: المهلب بن أبي صفرة، ومحمد بن القاسم الثقفي.

(4) آثار الإمام 3/469.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت