إلى التهلكة تناوله المضر. والدخان مضر بشهادات جهايذة الأطباء، قال العلامة الشيخ محمد الطرايشي الحلبي في كتابه (تبصرة الأخوان، في بيان أضرار التبغ المشهور بالدخان) : أجمعت علماء الطب قاطبة من أهل القرون الثلاثة بعد الألف على أن استعماله مضر للأجسام الإنسانية، وأنه يعطل الشرايين الصدرية، ويحدث أمراضًا صدرية يتعذر البرء منها. وقال: قد تحقق عند عامة المحققين من أئمة الطب المعتبرين أن مضار الدخان أعم من أن يكون توتونًا أو تنباكًا كثيرة جدًا. قالوا ك ويشعر بأعراضها الجزئية كل من يباشر استعماله قبل الاعتياد عليه وهي: دوار، وغثيان الصدر، وقيء، وصداع، وارتخاء العضلات أي الأعصاب، ثم سبات أي راحة وهي كناية عن حالة التحذير الذي هو من لوازم التبغ المتفق عليها من غير تكير.
وقال العلامة أبو عبد الله محمد عليش المالكي في مسائل النذر من كتابه (فتح العلي لمالك) في الفتوى على مذهب الإمام مالك: قد نص حذاق الأطباء على أنه -أي الدخان- يضر، ولا ينفع شيئًا من العلل، وأنه يحدث عللًا لا تسكن إلا به، فنظير متعاطيه من مزق ثوبًا صحيحًا واحتاج إلى ترقيعه، قال: ويدلك على صحو ذلك أن من شأن الدواء قطع وكراهة النفس له وبمجرد حصول الشفاء، وليس الدخان كذلك، إذ من اعتاده لا يستطيع تركه إلا إذا كان نائمًا، فهو الداء الذي لا دواء له إلا تركه واللهو عنه، كوسوسة الشيطان، استجرت منه باسم الرحمن. وقال في رسالة له في الدخان ضمن تلك الفتاوي: وآخر مسائل الأذان وأنى ضرره -أي الدخان- إفساده العقل والبدن، وتلويث الظاهر والباطن المأمور تنقيتهما شرعًا وعادة ومرؤة كما يلوث آلة شربه، والظاهر عنوان الباطن، واستعمال المضر حرام. وذكر في هذه الرسالة: أن أطباء الإنكليز شرحوا رجلًا مات باهتراء كبده [1] وهو ملازمه أي: الدخان فوجدوه ساريًا في عروقه وعصبه ومسود مخ عظامه وقله مثل سفنجة يابسة، وفيه ثقب مختلفة صغرى وكبرى، وكبده مشوية فمنعوا -أي الأطباء الإنكليز عن مداراته.
الثاني: من أدلة تحريم الدخان ما رواه أحمد في مسنده وأبو داود بسند صحيح، عن أم سلمة رضي الله عنها، أنها قالت: (نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن كل
(1) بالأصل: باحتراء وكبده وهو ملازمة. إلخ.