إن الذين غدوا بلبك غادروا ... وشلا بعينك لا يزال معينا
غيضن من عبراتهن وقلن لي: ... ماذا لقيت من الهوى ولقينا؟
فإن الرواة مجمعون على أن البيتين للمعلوط السعدي انتحلهما جرير، وانتحل أيضًا قول طفيل الغنوي:
ولما التقى الحيان ألقيت العصا ... ومات الهوى لما أصيبت مقاتله
ولذلك قال الفرزدق:
إن تذكروا كرمي بلؤم أبيكم ... وأوابدي تتنحلوا الأشعارا
وكان يتقارضان الهجاء، ويعكس كل واحد منهما المعنى على صاحبه وليس ذلك عيبًا في المناقضات، ولما قال الفرزدق في بني ربيع:
تمنت ربيع أن يجيء صغارها ... بخير، وقد أعيا ربيعًا كبارها
أخذه البعيث بعينه في بني كليب رهط جرير فقال الفرزدق:
إذا ما قلت قافية شرودًا ... تنحلها ابن حمراء العجان
يعني البعيث؛ وكان ابن سرية.
وأما قول البحتري:
رمتني غواة الشعر من بين مفحم ... ومنتحل ما لم يقله ومدعى
فيشهد لك ما قدمت ذكره؛ لأنه قسمهم ثلاثة أقسام: مفحم قد عجز عن الكلام فصلا عن التحلي بالشعر غير أنه يتبع الشعراء؛ والآخر منتحل لأجود من شعره، والثالث مدع جملة لا يحسن شيئًا.
والإغارة: أن يصنع الشعر بيتًا ويخترع معنى مليحًا فيتناوله من هو أعظم منه ذكرًا وأبعد صوتًا، فيروى له دون قائله، كما فعل الفرزدق بجميل وقد سمعه ينشد:
ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا ... وإن نحن أومأنا إلى الناس وقفوا