فهرس الكتاب

الصفحة 229 من 395

قال: فاذْكُرْ سنةً نُسِختْ بسنةٍ سِوى هذا.

- [235] - فقلتُ له: السننُ الناسِخَةُ والمنسوخةُ مُفَرَّقَةٌ في مَواضِعِها، وإنْ رُدِّدَتْ طالَتْ.

قال: فيكفي منها بعضُها، فاذْكره مُخْتَصَرًا بَيِنًا.

فقلتُ: أخبرنا"مالك"عن"عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْمٍ"عن"عبد الله بن واقِدٍ"عن"عبد الله بن عُمر"، قال:"نَهَى رَسُوُل اللهِ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلاَثٍ"، قال"عبد الله بن أبي بكر": فَذَكَرْتُ ذَلِكَ"لِعَمْرَةَ"، فَقَالَتْ: صَدَقَ، سَمِعْتُ"عَائِشَةَ"تقول:"دَفَّ (1) نَاسٌ مِنْ أَهْلِ البَادِيَةِ حَضْرَةَ الأَضْحَى فِي زَمَانِ النَّبِيِّ، فَقَاَل النَّبِيُّ: ادَّخِرُوا لِثَلاَثٍ وَتَصَدَّقُوا بِمَا بَقِيَ. قَالَتْ: فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَقَدْ كَانَ النَّاسُ يَنْتَفِعُونَ بِضَحَايَاهُمْ، يُجْمِلُونَ - [236] - مِنْهَا الوَدَكَ (2) وَيَتَّخِذُونَ الأَسْقِيَةَ، فَقَالَ رسولُ اللهِ: ومَا ذَاكَ، - أوْ كَمَا قَالَ -، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، نَهَيْتَ عَنْ إمْسَاكِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: إنَّمَا نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَجْلِ الدَّافَّةِ الَّتِي دَفَّتْ حَضْرَةَ الأَضْحَى، فَكُلُوا وَتَصَدَّقُوا وادّخِرُوا" (3) .

وأخبرنا"ابن عُيَيْنَة"عن"الزهري"عن"أبي عُبَيْد"مولى"ابن أزْهَرَ"، قال: شَهِدْتُ العِيدَ مَعَ"علي بن أبي طالب"فسَمِعتُهُ يقول: لاَ يَأْكُلَنَّ أحَدُكُمْ مِنْ لَحْمِ نُسُكِهِ بَعْدَ ثَلاَثٍ.

أخْبَرَنا الثِّقة عن"مِعْمَرٍ"عن"الزهري"عن"أبي عبيد"- [237] - عن"علي"أنه قال: قال رسول الله:"لاَ يَأْكُلَنَّ أحَدُكُمْ مِنْ لَحْمِ نُسُكِهِ بَعْدَ ثَلَاثٍ" (4) .

أخبرنا"ابن عيينة"عن"إبراهيم بن مَيْسَرَةَ"قال: سمعت"أنس بن مالك"يقول: إنَّا لَنَذْبَحُ مَا شَاءَ اللهُ مِنْ ضَحَايَانَا، ثُمَّ نَتَزَوَّدُ بَقِيَّتَهَا إلىَ البَصْرَةِ.

قال"الشافعي": فهذه الأحاديث تَجْمع معانِيَ، منها: - [238] - أنَّ حديث"علي"عن النبي في النهي عَنْ إمْساك لُحُوم الضَّحايا بعْد ثلاثٍ، وحديث"عبد الله بن واقِدٍ"، مُوتَفِقَانِ عن النبي.

وفيها دِلالة على أنَّ"عَلِيًَّا"سمع النهيَ مِن النبي، وأنَّ النهيَ بَلَغَ"عبدَ الله بن واقد".

ودلالةٌ على أن الرُّخْصَةَ مِن النبي لم تبلُغْ"عليًا"ولا"عبدَ الله بن واقد"، ولو بَلَغَتْهمَا الرُّخْصَةُ، مَا حَدَّثاَ بالنهي، والنَّهْيُ منسوخ، وتَرَكا الرخصةَ، والرخصةُ ناسخة، والنهي منسوخ لا يَسْتَغْنِي سامِعُه عَنْ علم ما نَسَخَهُ.

وقولُ"أنس بن مالك": كنا نَهْبِطُ بِلحوم الضحايا البَصْرَةَ، يَحْتَملُ أنْ يكونَ"أنس"سَمِعَ الرخصةَ ولم يسمَعْ النهيَ قَبْلَهَا، فَتَزَود بالرخصة ولم يسمع نهيًا أو سمع الرخصةَ والنهيَ، فكان النهيُ منسوخًا، فلم يذكرْهُ.

فقال كلُّ واحِدٍ من المُخْتَلِفَينَ بما عَلِمَ.

وهكذا يجب على مَنْ سَمِعَ شيئًا مِن رسول الله، أو ثَبَتَ له عنه: أنْ يقولَ بما سَمِعَ، حتى يعلَمَ غيرَه.

(1) دَفَّ: (دَفَّت) الجماعةُ (تَدِفُّ) مِن باب: ضرب، (دَفِيفًا) : سارتْ سيرًا لَيِّنًا، فهي (دَافَّةٌ) [المصباح المنير - الفَيُّومي] .

(2) الوَدَكُ: الدَّسَمُ [القاموس المحيط - فيروز آبادي] .

(3) مسلم: كتاب الأضاحي/3643؛ أبو داود: الضحايا/2429؛ مالك: كتاب الضحايا/918.

(4) مسلم: كتاب الأضاحي/3639؛ النسائي: كتاب الضحايا/4347؛ أحمد: مسند العشرة المبشرين بالجنة/1131؛ مسند الشافعي/470.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت