فكذا وصيُّه بعد الموت. وإن مات وصي الأب الذي مات آخرًا ولم يوص إلى أحد، أو كان الأب الذي مات آخرًا لم يوص إلى أحد، وقد ترك الأب الذي مات أولًا أولى من وصيته، وفي هذا الفصل نوع إشكال: وهو أن الذي مات أولًا إما أن تبطل أبوته وولايته بموته أو لم تبطل، إن بطلت تبطل الجدودة كما تبطل الوصاية، وإذا لم تبطل الوصاية فقد اجتمع وصي الأب مع جد الغلام، فتكون الولاية للموصي. والجواب أن يقول: أبوة الذي مات أولًا بطلت في حق القضاء به أبًا لم تبطل في حق الجدودة.
بيانه: وهو أن السبب الثاني كما أثبت الأبوة للأبوين أثبت الجدودة لأبويهما ثبوتًا واحدًا، فكانت ولاية الجد بسبب قائم به وهو القرابة لا بتفويض الأب، فلا تبطل ببطلان ولاية الأب، لكن لم تظهر ولاية الجد حال قيام الأب أو وصيه، فإذا ماتا ظهرت ولايته، أما ولاية الوصي بسبب تفويض الأب لا بسبب قائم به، فإذا بطلت ولاية الأب بطلت ولاية الوصي ضرورة.
فإن مات الولدان أحدهما قبل الآخر ولكل واحد منهما أب، وأوصى كل واحد منهما إلى رجل؛ إن لم يعرف الذي مات أولًا من الذي مات آخرًا، فولاية التصرف في المال للوصيين جملة؛ لأنه لما لم يعرف الذي مات أولًا من الذي مات آخرًا يجعل كأنهما ماتا معًا، وإن ماتا معًا كانت ولاية التصرف في المال للوصيين؛ لأنه لم يظهر بطلان أبوة أحدهما لما ماتا معًا، فالإيصاء من كل واحد منهما حصل وله ولاية الإيصاء فصح، ونزل الوصيان بعد موت الأبوين بمنزلة الأبوين حال حياتهما، وإن عرف الذي مات أولًا من الذي مات آخرًا؛ فولاية التصرف في المال لوصي الذي مات آخرًا؛ لأنه وصيُّ أب استقرت أبوته، والآخر وصيُّ أب بطلت أبوته على ما ذكرنا.
وإن مات هذا الوصي ولم يوصِ إلى أحد، أو مات الأب الذي عرف موته آخرًا ولم يوصِ إلى أحد وباقي المسألة بحالها؛ فولاية التصرف في المال للجدين، لا ينفرد أحدهما به بمنزلة الأبوين في الابتداء بخلاف الوصيين، فإن وصيَّ الأب الذي مات أولًا لا يزاحم وصي الأب الذي مات آخرًا في التصرف.
والفرق: أن الوصي ثابت عن الموصي استفاد الولاية من جهته، وبموت الذي مات آخرًا، فأما الجد أصل وليس بثابت؛ والولاية له بسبب القرابة، لا بطريق الانتقال والتفويض، وقرابة الجدين قائمة للحال بصفة واحدة فاستويا في سبب الولاية، فزاحم كل واحد منهما صاحبه.
قال: وإن وهب لهذا الغلام هبة والأبوان حيان؛ فقبل أحدهما جاز، أما على قول أبي يوسف فلأن كل واحد منهما ينفرد بجميع التصرفات، وأما على قولهما فلأن قبول الهبة لا يفتقر إلى الولاية، ألا ترى أنه صح من المجحود ومن الذي يعول الصغير ويحفظه، قال عليه السلام: «من عال يتيمًا فله قبض هباته» .