الصفحة 71 من 245

نقول تصدى ابن عبد الوهاب لإبطال التقليد في عصر ساد فيه التقليد واستحكم حتى تهيب العلماء من التعرض لمشروعيته واستسلم أغلبهم لسيادة التقليد والأخذ به، ولكن ذلك لم يمنع الشيخ محمد بن عبد الوهاب من أن يهاجم التقليد ويكشف القناع عن قضية جوهرية تفيض بها آيات القرآن الكريم ـ تلك القضية هي أن الأمم الغابرة التي جحدت برسالات السماء وكذبت المرسلين إنما قادها إلى هاوية الكفر والضلال تقليد الآباء. قال الله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ} . (1)

وقال سبحانه: {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ، قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ} (2) وقال عز وجل: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا} . (3)

وفي القرآن الكريم من آيات النهي عن التقليد نصوص كثيرة من جنس ما أوردنا، وهي وإن كان موردها في الكفار، فالمراد بها وبأمثالها ذم من أعرض عما أنزله الله سبحانه إيثارًا من لتقليد آبائه. واللفظ أوسع من دائرة سبب النزول والاعتبار بعمومه لا بخصوص سببه كما تقرر في الأصول.

والمقلد يتقفى ما ليس له به علم خلافا لأمر الله تعالى في قوله: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} . (4)

والمقلد ينزل الأشخاص الذين يقلدهم منزلة الربوبية من دون الله على ما أوردته الآية الكريمة: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} . (5)

وفي تفسير ذلك روي عن حذيفة وغيره أنهم قالوا: لم يعبدوهم من دون الله ولكنهم أحلوا لهم وحرموا عليهم فاتبعوهم. وقال عدي بن حاتم وكان قبل

(1) سورة البقرة. آية 170.

(2) سورة الزخرف آية 23.24

(3) سورة لقمان آية21.

(4) سورة الاسراء: آية 36.

(5) سورة التوبة: آية 31.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت