ومعنى تثاقل المؤمنين عن القتال في سبيل الله، أن هناك شيئًا قد غلب شيئًا آخر في داخل نفوسهم، فالرضا بالحياة الدنيا قد تغلَّبَ على حب الآخرة. ولكن المنطق الإيماني يقول: إنه إذا كان هناك أمر آخر غير الدنيا، أو حياة أخرى غير حياتنا الدنيوية، فلا بد أن نقارن بين ما تعطيه الدنيا وبين ما تعطيه الآخرة، فإذا رضينا بما تقدمه لنا هذه الحياة المادية، يكون المؤمن بلا طموح وبلا ذكاء؛ لأنه رضي بمتاع قليل زائل وترك متاعًا أبديًا ممتدًا بقدرة الله.
وأنت لو نظرت إلى الدنيا نظرة فاحصة، تجد أنها متغيرة متبدلة، فالصحيح يصبح مريضًا، والغني يصبح فقيرًا، والقوي يصبح ضعيفًا.
إذن: فمتاع الدنيا متغير ولا عصمة لك فيه، وأنت لا تستطيع أن تعصم نفسك من المرض أو من الضعف أو من الفقر؛ لأن هذه كلها أغيار تحكمك ولا تحكمها أنت؛ تقهرك ولا تستطيع أنت أن تقهرها. فإن رضيت بمتاع الدنيا اليوم فأنت لا تضمن استمراره إلى غد.
ولهذا ينبغي ألا تؤخر تنفيذ ما يكلفك به الله؛ لأنك الآن تستطيع أن تؤديه، لكن أنت لا تضمن إن كنت قادرًا غدًا أم لا. كذلك لا تأخذ التكليف على أنه قد يسلبك حريتك أو مالك، بل هو يسلبك ويعطيك في نفس الوقت. فإذا أمر الله سبحانه بأن تُخرِجَ الزكاة، قد تعتقد أن هذا يُنقصُ مالك، أو تقول: هذه غرامة. نقول: إن هذا في ظاهر الأمر قد