{قَبْلَ أَن يَأْتُونِي} ، وما دام قال ذلك فقد علم أنهم في الطريق. فهل يذهب إنسان عادي ويحلّ العرش ويحمله ويأتي به قبل أن يأتوا؟ لا، ولذلك عرفنا من هذه قول الحق: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: 36] .
وهنا يتصدّى أحد الأذكياء من الجن قائلًا: {قَالَ عِفْرِيتٌ مِّن الجن أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ} [النمل: 39] .
ومن يقول ذلك ليس بجن عادي، فالجن أيضًا فيهم عفاريت أذكياء وفيهم من هو عاجز قليل الذكاء، مثل الإنسان، ومن قال ذلك أكد أنه قادر على أن يأتي بعرش بلقيس قبل أن يقوم سليمان من مقامه، فكم يمكث من الوقت؟ لا نعرف، تُرى هل يجلس سليمان مع القوم ساعتين أو ثلاث ساعات لا نعرف، إذن فتأخذ هذه العملية زمن مقامه، لكن ها هو ذلك الإنْسيّ الذي أعطاه الله فتحًا من الكتاب وعلمًا يقول: {قَالَ الذي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الكتاب أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} [النمل: 40] .
الإنسيّ العادي لم يتكلم، والعفريت من الجن قال: {أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ} أما الإنسيّ الذي أعطاه الله الفتح من الكتاب فقد قال: {أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} ولذلك انظر إلى الأداء العاجل في القرآن أداء الحركة: {فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ} [النمل: 40] .
فالمسألة حدثت على الفور.
والمهم لنا هنا أن نعرف أن الجن قال: {أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ} ، ومنها نعرف أن له قانونًا في الحركة والسرعة، والإنسان الذي وهبه الله علمًا بالكتاب له قدرة وحركة. إذن فكل جنس من الأجناس له القانون المناسب له.