من المكان القريب كالمدينة، ولا يشرع شد الرحال إليه من بعيد. فإن في الصحيحين عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال كان النبي يأتي مسجد قباء كل سبت ماشيًا وراكبًا. وكان ابن عمر يفعله. وفي لفظ مسلم فيصلي فيه ركعتين وذكره البخاري بغير إسناد. وذلك أن الله سبحانه وتعالى نهى نبيه صلى الله عليه وسلم عن القيام في مسجد الضرار، وأمره بالقيام في المسجد الذي أسس على التقوى، ومسجده أعظم في تأسيسه على التقوى من مسجد قباء، كما ثبت في الصحيحين عنه أنه سأل عن المسجد الذي أسس على التقوى فقال مسجدي هذا، فكلا المسجد أسس على التقوى، ولكن اختص مسجده بأنه أكمل في هذا الوصف من غيره، فكان يقوم في مسجده يوم الجمعة، ويأتي مسجد قباء يوم السبت. فإذا كان السفر إلى مسجد غير المساجد الثلاثة ممتنع شرعًا مع أن قصده لأهل مصر يجب تارة ويستحب أخرى وقد جاء في قصد المساجد ما لا يحصى من الفضل، فالسفر إلى مجرد القبور أولى بالمنع ولا يغتر بكثرة العادات الفاسدة فإن هذا من التشبه بأهل الكتاب المتخذين قبور أنبيائهم مساجد وأعيدة، الذي أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أنه كائن في هذه الأمة لا محالة. وأصل ذلك إنما هو اعتقاد فضل الدعاء عندها وإلا فلو لم يقم عندها هذا الاعتقاد بالقلوب لا نمحى ذلك كله. وإذا كان قصدها للدعاء يجر هذه المفاسد كان حرامًا كالصلاة عندها وأولى، وكان ذلك فتنة للخلق فتحًا لباب الشرك وإغلاقًا لباب الخير والإيمان. وقد آل الأمر إلى قصد مجرد القبر واتخاذه عيدًا ومجمعًا للنساء مع الرجال حتى ترتفع الأصوات عنده ويكثر الضجيج أضعافًا مضاعفة على تلبية الحجيج كل يسأل حاجته وتفريج كربته وهم يعتقدون أن زيارته يحصل بها الغفران والنجاة من النيران وأنها تجب ما قبلها من الآثام، ألا ترى أن أكثر الفجرة الساكنين بمكة المشرفة وجدة طول أيام السنة لا يتركون ذنبًا موبقًا إلاَّ ارتكبوه، ولا إثمًا كبيرًا إلاَّ اكتسبوه فإذا جاء شهر رجب أخذ على ذمته المعسر منهم واستدان وذهب إلى القبر يسأل المغفرة من خاتم الرسل وأفضل ولد عدنان فأخذوا بالهتف بذكره وبكنيته قائلين جئنا إليك قاصدين تائبين لا تردنا أبا إبراهيم، منذ يفارقون بلادهم إلاَّ أن يرجعوا يسألونه المغفرة، قضاء الديون وتفرج الكروب فإذا رجعوا خائبين اعتقدوا أنهم خرجوا من آثامهم كيوم ولدتهم أمهاتهم مسرورين، فعادوا على ما كانوا عليه من الباطل والطغيان، ويقولون هم متوكلون على سيد ولد عدنان، ولا نعني العوام بل هم ذو