لمؤرخي تلك الفترة الغامضة. ونحن نأمل أن تكون السيدة آنجيلا كودازى، التي تتابع أبحاثها المتأنية منذ بضعة أعوام، قد تمكنت من جمع الوفير من المعلومات وأن تصبح معارفنا بفضلها أكثر دقة في هذا التاريخ.
وقد ظل «الوصف» الذي قدمه ليون موضع ثقة في خلال أكثر من ثلاثة قرون، إذ ثبت أن مخطوط ليون كان معروفا ويستفاد منه على نطاق واسع منذ 1529 م. وقد كان هذا المؤلّف وثيقة جغرافية أساسية، وخاصة بالنسبة لعلماء الخرائط الجغرافيين الذين يبدو أنهم استفادوا من مصادر أخرى لا يستهان بها. ولا تزال الدهشة تعترينا من صحة بعض التفاصيل التي قدمها ليون، ومن صواب نظراته كباحث كان، على الرغم من تكوينه العلمي القديم، متمتعا بروح عصرية، وكان تجرده كبيرا. فلم يكن لديه أية كراهية إلا «للأعراب» الذين نسب إليهم، كما فعل ابن خلدون، مسئولية تخريب بلاد الشمال الإفريقي (*) . وفي هذا المجال نحرص على أن نوضح للقارئ غير المتمرس أن عرب القرن السادس عشر لم يكونوا سوى أحفاد قبائل عربية، أو من افخاذ قبائل عربية فوضوية تخلص منهم خلفاء مصر الفاطميون بأن دفعوا بهم لكي يبحثوا عن معيشتهم في المغرب حوالي سنة 1050 م. أما العرب الأصلاء الذين قاموا بفتح البلاد، أو الذين حكموها بعدئذ، فقد انصهروا منذ زمن طويل في السكان البربر، ما عدا بعض الحالات الاستثنائية النادرة. وحتى لو كان ليون نفسه، وهذا محتمل جدا، ينحدر من أصل عربي بعيد جدا، فهو لن يرتاح اذا وصف بانه عربي، وشبّه بأولئك الناس، الذين كان بعضهم رجال أمن، وبعضهم قطاع طرق والذين كان عدد كبير منهم يعيث فسادا في أرياف إفريقيا الشمالية.
وإذا كان لكتاب ليون مزايا رفيعة جدا، ويقدم توثيقا يعتبر من أثمن المصادر، فهو مع هذا يبدو حاويا على عدد ضخم من الأخطاء الناجمة عن أسباب عديدة. فقد كتب بدون شك كثيرا منه اعتمادا على الذاكرة التي كانت رائعة أكثر مما أشار إليه في مناسبات عديدة، ولكنها لم تكن أمينة كل الأمانة ولا معصومة؛ فقد ارتكب أخطاء بارزة جغرافية
(*) يقصد ابن خلدون بكلمة «العرب» في جميع الفصول التي وردت فيها هذه الكلمة في «المقدمة» البدو الرحل، وخاصة المشتغلين بمهنة الرعى (انظر كتابنا «عبقريات ابن خلدون» صفحات 238 - 244 ومقالنا في مجلة «الأصالة» الجزائرية عدد سبتمبر وأكتوبر 1973 بعنوان» اتهام ابن خلدون بالتحامل على العرب» وتعليقنا رقم 359 على مقدمة ابن خلدون ص 579 «الجزء الثاني» الطبعة الثانية للجنة البيان ...(المراجع)