فهرس الكتاب

الصفحة 348 من 573

لا تثير الرعب أو الاشمئزاز في صدور العثمانيين، بل إن تكرار مثل هذه العروض يغلظ مشاعر العثمانى، وتجعله لا يستشعر عواطف الرحمة والعطف والشفقة. سمعت بدويا، وربما كان من أصدقاء القتيلين، عند ما كان يقف بالقرب من البدو، وهو يتعجب قائلا: «يرحمهما الله؛ ولكن لعل الله لا يرحم من قتلهما!» .

كان الشارع الذى يمتد بطول وادى منى، قد تحول إلى سوق، وسوق شرقية؛ كل بوصة من الأرض غير المبنية تحولت إلى مظلة أو حوانيت صغيرة، بناها أصحابها من الحصير، أو إلى خيام صغيرة، جرى تجهيزها على شكل دكاكين. كانت هناك مؤن وتموينات، وسلع من كل الأنواع، جرى إحضارها من مكة إلى وادى منى، وعلى العكس مما يجرى في بعض البلاد الإسلامية، التى تتوقف التجارة فيها في أيام الأعياد، نجد هنا التجار كلهم، وأصحاب الدكاكين، والوسطاء، كلهم مشغولون في عملية البيع والشراء. هؤلاء هم التجار الذين جاءوا مع القافلة السورية، بدءوا مساوماتهم لشراء البضاعة الهندية، وراحوا يعرضون عينات من السلع التى جلبوها معهم، والتى كانت مخزنة في مكة. هذا عدد آخر من الحجاج الفقراء، يصيحون وهم ينادون على بضائهم الصغيرة، وهم يحملونها على رءوسهم ويدورون بها في الشوارع، ونظرا لأن المعاملات المالية والتجارية كانت مقصورة على وادى منى، فإن اختلاط الشعوب، واختلاط العادات، واختلاط السلع، كان يعد مسألة واضحة وأكثر بروزا مما هى عليه في مكة (*) .

(*) هذا الحج عند العرب قبل الإسلام كان، كما هو الحال في كل الأزمان السابقة، مرتبطا بسوق كبيرة كانت تعقد في مكة. كانوا يزورون في الشهور السابقة للحج بعض الأسواق المجاورة الأخرى، وبخاصة سوق عكاظ، أو بالأحرى سوق قبيلة كنانة، وسوق المدينة وسوق ذو المجاز، وأسواق قبيلة هذيل، وأسواق الحسا، أو بالأحرى أسواق بنى Beni لازد. وبعد أن يمضوا وقتهم في التمتع في تلك الأسواق يعودون إلى الحج في عرفات، ثم بعد ذلك يعودون إلى مكة، التى كانت تنعقد فيها سوق كبيرة أخرى (راجع الأزرقى) . أما في عرفات وفى منى، وعلى العكس من ذلك فقد كان أولئك العرب الوثنيون يمتنعون عن التجارة طوال أيام تجولهم في هذين المكانين، وأثناء أدائهم للطقوس المقدسة، ولكن القرآن نهى عن ذلك، وسمح في آية من آيات السورة رقم 2 بالاتجار حتى في أيام الحج، أو شئ من هذا القبيل. (راجع الفاسى)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت