فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 568

ولد فارس بن يوسف الشدياق في عشقوت من أعمال كسروان سنة 1804 م، ثم انتقلت به أسرته إلى الحدث بجوار بيروت سنة 1809 م، فنشأ الصبي فيها، وظهرت عليه علائم النجابة والذكاء؛ فأرسله أبوه إلى مدرسة «عين ورقة» في كسروان، المدرسة التي تخرّج فيها نخبة من رجال النهضة العربية الحديثة وأعلامها. حيث أتمّ فيها دروسه الابتدائية، كما تلقّى دروسا في اللغة والأدب على أخيه أسعد الذي كان من نوابغ زمانه.

بدأ الشدياق ينظم الشعر في سنّ مبكّرة، وكان ميله إلى قراءة الفصيح من الكلام، والتعمّق في متون اللغة واضحا لا يحتاج إلى دليل، تسعفه في ذلك مكتبة والده التي كانت حافلة بالكتب المتنوّعة. ولكن الفتى سرعان ما فجع بموت أبيه، وهو لم يجاوز السادسة عشرة؛ فاضطرّ إلى السعي المبكر في سبيل العيش؟ فاشتغل بنسخ الكتب وتحبيرها، فلم يجد ذلك مجزيا، مّما دفعه لأن يعمل بائعا متجوّلا، ولكن سعيه خاب هذه المرّة أيضا، فعمل كاتبا عند الأمير حيدر الشهابي صاحب التاريخ المعروف باسمه، ولكنّه سرعان ما واجه حدثا خطيرا غيّر مجرى حياته، ألا وهو نكبة أخيه أسعد الذي اعتنق المذهب الإنجيليّ (البروتستانتي) على يد المرسلين الأمريكان؛ فغضب عليه البطريك الماروني، وأوعز إلى رجاله؛ فقبضوا عليه، واحتجزوه في أحد الأديرة، وساموه أنواعا من العذاب؛ ليرجع عمّا ذهب إليه، فازداد تمسّكا برأيه، وإصرارا على موقفه، ممّا أدى إلى موته وهو في ميعة الشباب، فأثارت هذه الحادثة حفيظة أخيه فارس، ودفعته هو الآخر إلى اعتناق البروتستانتية، مثلما دفعت بالمرسلين الأمريكان إلى إرساله إلى مصر خوفا عليه من أن يصيبه ما أصاب أخاه، فسافر إليها سنة 1825 م ليعلّم اللغة العربية في مدارسهم. وبقي فيها زمنا معلّما ومتعلّما؛ حيث قرأ على بعض الأساتذة الكبار مثل: نصر الله الطرابلسي الحلبي، ومحمد شهاب الدين محرّر الوقائع المصرية بعض كتب اللغة والأدب، إلى أن تمكن من النحو والصرف، والاشتقاق، كما تقرّب من حاكم مصر، ومن خيرة علمائها، ولم يلبث أن عيّنه الشيخ رفاعة الطهطاوي في إدارة تحرير الوقائع المصرية.

مكث الشدياق في مصر تسع سنوات تعرّف خلالها بعائلة الصولي السوريّة المقيمة بمصر، فصاهرها، ورزق من زواجه ولدين هما: سليم وفائز، ثم رغب إليه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت