فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 604

إلى البحر وثرواته التجارية. ونتيجة هذه الأطماع المتضاربة، وقعت فلسطين تحت حكم هذه القوة أو تلك، ولفترات طويلة، مباشرة أو مداورة، عبر حكام محليين.

إلّا إنه عندما توفرت الظروف الموضوعية ـ غياب قوة خارجية مهيمنة ـ وتواكبت ذاتيا مع قيام حكومة قادرة على فرض الأمن الداخلي، وبالتالي الاستقرار وصيانة الحدود في وجه الغزاة الصغار، قامت في فلسطين ممالك استطاعت أن توظف ميزات البلد لمصلحتها. فقامت بدور الوسيط في التجارة الدولية، كما أصبحت عنصرا فاعلا في السياسة الإقليمية، سواء بالتحالف مع ممالك أخرى في بلاد الشام، أو بالتناحر معها في صراع بشأن الموارد والسيطرة على الثروات ومصادرها. ويبرز ذلك في الكثير من الحالات: الهكسوس والعموريين والكنعانيين والإسرائيليين والفينيقيين، وحتى الدولة الأموية والدولة الصليبية، وصولا إلى إسرائيل الراهنة. فمن موقعها المتوسط بين شبكتي الطرق ـ البرية والبحرية ـ كان لفلسطين نصيب من التجارة الدولية، كما في أيام سليمان، وبعده في فترة ازدهار مملكة الأنباط، وحتى في أيام مملكة أورشليم اللاتينية (الصليبية) . وفي ظل الخلافة الإسلامية، أصبحت فلسطين جزءا وسطا من دولة عظمى مترامية الأطراف، وعنصرا مكملا لمحيطها، متجاوزة كونها حلقة في شبكة بديلة للالتفاف على الطرق التي تمر بقلب الصحراء العربية، في اتجاه البحر الأحمر.

وبإلقاء نظرة سريعة إلى تعاقب القوى التي حكمت فلسطين، تبرز التقلبات في تاريخها السياسي، خلال السنوات الأربعة الآلاف الماضية. فبعد فترة طويلة من النفوذ المصري، ضعف هذا الحكم فيها خلال القرن الثالث عشر قبل الميلاد، وبدأت مرحلة ـ دامت نحو خمسة قرون ـ غابت فيها عن البلد الهيمنة الخارجية، أسوة ببقية بلاد الشام. وفي هذا الفراغ من القوى الكبرى الإقليمية، قامت ممالك محلية في كل بلاد الشام، بما فيها فلسطين: الفلسطيون والفينيقيون والكنعانيون والإسرائيليون والأراميون والعمونيون والمؤابيون والأدوميون وسواهم. وفي فلسطين قامت مملكة داود وسليمان في بداية الألف الأول قبل الميلاد، لكنها ما لبثت أن انقسمت إلى مملكتي يهودا وإسرائيل (نحو 930 ق. م.) إلّا إنه في القرن الثامن قبل الميلاد، عادت مملكة أشور إلى التوسع الكبير فاحتلت فلسطين، ودخلت مصر في أيام أسرحدّون (681 ـ 669 ق. م.) . وعلى أنقاض أشور قامت بابل، فاحتل ملكها نبوخذنصّر فلسطين كلها (587 ق. م.) . لكن الوارث الحقيقي لأشور كان مملكة فارس، التي غزا ملكها الثاني، قمبيز (525 ق. م.) ، مصر، وأصبحت فلسطين جزءا من الولاية الفارسية الخامسة ـ عبر نهرا ـ التي عاصمتها دمشق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت