فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 604

والشرق. وعدا كون هذه المكتشفات توحي بأصول إفريقية، فإنها في سورية الكبرى تتشابه في الصفات وفي تقنيات التصنيع، التي يقسمها البعض إلى ثلاث مراحل قديمة جدا هي: الكلاكتونية والأشولية والتياسية، ومنهم من يجمعها في الأشولية.

وتبقى معرفتنا بحياة الإنسان في هذا العصر الحجري الموغل في القدم ضئيلة. وهي أقرب إلى الفرضيات منها إلى الحقائق الملموسة، وتتلاءم ضآلتها طردا مع طول الفترة الزمنية التي يغطيها هذا العصر. والاعتقاد السائد هو أن هذا الإنسان البدائي عاش متنقلا، يجمع قوته مما توفره الطبيعة ويصارع، على ضعفه، ليبقى في قيد الحياة، ويستعين بتطور دماغه ليعوض من هشاشة بنيته الجسدية بالنسبة إلى عالم الأحياء المحيط به. ويعثر على آثاره منتشرة على سطح الأرض، وفي جوفها، كما في بعض الملاجئ والمغاور. لكنه بمرور الزمن أصبح أكثر قدرة على التحكم في مصيره في مواجهة عوامل الطبيعة، فراح يصنع أدوات صيده، ويعمل ذهنه في ابتداع السبل لضمان أمنه ووقاية جسده، والدفاع عن نفسه وتوفير مقومات حياته، في إطار الجماعات الصغيرة التي تشكلت بالتكاثر عبر الزمن.

وعلى الرغم من ضآلة المعلومات عن هذا العصر الطويل، وانحصار المواقع المعروفة منه أصلا في الانهدام السوري ـ الإفريقي. (مجاري أنهار الأردن والليطاني والعاصي) وبنسبة أقل في الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، فإنها تؤكد أهمية هذا العصر في تطور الجنس البشري. فالإنسان منتصب القامة (هومو إركتوس) كان أول الأجناس البشرية ذات الدماغ الكبير التي احتلت الشرق الأدنى القديم بالتدريج، وعاش متنقلا في أودية الأنهار والمناطق الساحلية، وكان أول من تكيف وفق المناخ المعتدل والمناخ البارد.

ولا يزال الموطن الأصلي لهذا الإنسان غير معروف على وجه التأكيد، مع وجود مؤشرات إلى إفريقيا. وهناك مسائل كثيرة، مثل بنيته الجسدية، أو حضارته المادية، لا تزال من دون حلول مرضية في هذه المرحلة من تطور البحث العلمي في هذا المجال. ولكن الأكيد أنه وقع في نهاية هذا العصر، أي قبل نحو 000، 100 عام، تطور تقني مهم في جميع أنحاء الشرق الأدنى، يبرز في التجهيز المادي لهذا الإنسان، وفي تطوير أساليب صيده، وتنظيم مواقع سكنه، وفي ابتكار وسائل إشعال النار واستخدامها لمصلحته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت