فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 334

أراد هذا المعنى الذي ذكرتموه، وأنه لا يمنع الخروج لعارض، ولا يحبس مسافرا عن سفره.

قيل: لم يقل أحد ـ طبيب ولا غيره ـ: إن الناس يتركون حركاتهم عند الطواعين، ويصيرون بمنزلة الجمادات. وإنما ينبغي فيه التقليل (1) من الحركة بحسب الامكان. والفار منه لا موجب لحركته إلا مجرد الفرار منه، ودعته وسكونه: أنفع لقلبه وبدنه، وأقرب إلى توكله على الله تعالى واستسلامه لقضائه. وأما من لا يستغنى عن الحركة ـ: كالصناع، والاجراء، والمسافرين، والبرد، وغيرهم. ـ فلا يقال لهم: اتركوا حركاتكم جملة، وإن أمروا: أن يتركوا منها ما لا حاجة لهم إليه: كحركة المسافر فارا منه. والله تعالى أعلم.

وفى المنع من الدخول إلى الأرض التي قد وقع بها، عدة حكم:

(أحدها) : تجنب الأسباب المؤذية، والبعد منها.

(الثاني) : الاخذ بالعافية التي هي مادة المعاش والمعاد.

(الثالث) : أن لا يستنشقوا الهواء الذي قد عفن وفسد، فيمرضون.

(الرابع) : أن لا يجاوروا المرضى الذين قد مرضوا بذلك، فيحصل لهم بمجاورتهم، من جنس أمراضهم.

وفى سنن أبي داود مرفوعا: «إن من العرق التلف» (2) . قال ابن قتيبة: العرق: مداناة الوباء، ومداناة المرضى.

(الخامس) : حمية النفوس عن الطيرة والعدوي، فإنها تتأثر بهما: فإن الطيرة على من تطير بها.

وبالجملة ففي النهى عن الدخول في أرضه: الامر بالحذر والحمية، والنهى عن التعرض لأسباب التلف. وفى النهى عن الفرار منه: الامر بالتوكل والتسليم والتفويض. فالأول تأديب وتعليم، والثاني تفويض وتسليم.

وفى الصحيح: «أن عمر بن الخطاب خرج إلى الشام، حتى إذا كان بسرغ لقيه

(1) كذا بالأصل. وفى الزاد: «التقلل» .

(2) وأخرجه أيضا: أحمد، والبيهقي في شعب الايمان عن فروة بن مسيك. اه‍ق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت