الصفحة 62 من 1943

سحره تعظيم الكواكب واعتقادها آلهة وأما الفريق الثاني فلأنها وإن كانت معترفة بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم فإنها حيث أجازت أن تخبرها الجن بالغيوب وتقدر على تغيير فنون الحيوان والطيران في الهواء والمشي على الماء وما جرى مجرى ذلك فقد جوزت وجود مثل أعلام الأنبياء عليهم السلام مع الكذابين المتخرصين ومن كان كذلك فإنه لا يعلم صدق الأنبياء عليهم السلام لتجويزه كون مثل هذه الأعلام مع غيرهم فلا يأمن من أن يكون جميع من ظهرت على يده متخرصا كذابا فإنما كفر هذه الطائفة من هذا الوجه وهو جهله بصدق الأنبياء عليهم السلام والأظهر من أمر الساحر الذي رأت الصحابة قتله من غير بحث منهم عن حاله ولا بيان لمعانى سحره أنه الساحر المذكور في قوله تعالى (يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ) وهو الساحر الذي بدأنا بذكره عند ذكرنا ضروب السحر وهو سحر أهل بابل في القديم وعسى أن يكون هو الأغلب الأعم في ذلك الوقت ولا يبعد أن يكون في ذلك الوقت من يتعاطى سائر ضروب السحر الذي ذكرنا وكانوا يجرون في دعواهم الأخبار بالغيوب وتغيير صور الحيوان على منهاج سحرة بابل وكذلك كهان العرب يشمل الجميع اسم الكفر لظهور هذه الدعاوى منهم وتجويزهم مضاهاة الأنبياء في معجزاتهم وعلى أى وجه كان معنى السحر عند السلف فإنه لم يحك عن أحد إيجاب قتل الساحر من طريق الجناية على النفوس بل إيجاب قتله باعتقاده عمل السحر من غير اعتبار منهم لجنايته على غيره فأما ما يفعله المشعوذون وأصحاب الحركات والخفة بالأيدى وما يفعله من يتعاطى ذلك بسقى الأدوية المبلدة للعقل أو السموم القاتلة ومن يتعاطى ذلك بطريق السعى بالنمائم والوشاية والتضريب والإفساد فإنهم إذا اعترفوا بأن ذلك حيل ومخاريق حكم من يتعاطى مثلها من الناس لم يكن كافرا وينبغي أن يؤدب ويزجر عن ذلك والدليل على أن الساحر المذكور في الآية مستحق لاسم الكفر قوله تعالى (وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ) أى على عهد سليمان روى ذلك عن المفسرين وقوله تتلوا معناه تخبر وتقرأ ثم قوله تعالى (وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا) يدل على أن ما أخبرت به الشياطين وادعته من السحر على سليمان كان كفرا فنفاه الله عن سليمان وحكم بكفر الشياطين الذين تعاطوه وعملوه ثم عطف على ذلك قوله تعالى (وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت