الصفحة 1590 من 1943

لم يخصص إيجاب الكيل في المكيل وإيجاب الوزن في الموزون بالمأكول منه دون غيره فوجب أن يكون سائر المكيلات والموزونات إذا اشترى بعضها ببعض من جنس واحد أنه غير جائز أخذه مجازفة إلا بكيل سواء كان مأكولا أو غير مأكول نحو الجص والنورة وفي الموزون نحو الحديد والرصاص وسائر الموزونات وفيه الدلالة على جواز الاجتهاد وإن كل مجتهد مصيب لأن إيفاء الكيل والوزن لا سبيل لنا إليه إلا من طريق الاجتهاد وغلبة الظن ألا ترى أنه لا يمكن أحدا أن يدعى إذا كال لغيره القطع بأنه لا يزيد حبة ولا ينقص وإنما مرجعه في إيفاء حقه إلى غلبة ظنه ولما كان الكائل والوازن مصيبا لحكم الله تعالى إذا فعل ذلك ولم يكلف إصابة حقيقة المقدار عند الله تعالى كان كذلك حكم مسائل الاجتهاد وقيل في القسطاس أنه الميزان صغر أو كبر وقال الحسن هو القبان ولما ذكرنا من المعنى في المكيل والموزون قال أصحابنا فيمن له على آخر شيء من المكيل أو الموزون أنه غير جائز له أن يقبضه مجازفة وإن تراضيا وظاهر الأمر بالكيل والوزن يوجب أن لا يجوز تركهما بتراضيهما وكذلك لا تجوز قسمتهما إذا كان بين شريكين مجازفة للعلة التي ذكرنا ولو كانت ثيابا أو عروضا من غير المكيل والموزون جاز أن يقبضه مجازفة بتراضيهما وجاز أن يقتسما مجازفة إذ لم يوجد علينا فيه إيفاء الكيل والوزن قوله تعالى (ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) معناه أن ذلك خير لكم وأحسن عاقبة في الدنيا والآخرة والتأويل هو الذي إليه مرجع الشيء وتفسيره من قولهم آل يئول أولا إذا رجع قوله تعالى (وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) القفو اتباع الأثر من غير بصيرة ولا علم بما يصير إليه ومنه القافة وكانت العرب فيها من يقتاف الأثر وفيها من يقتاف النسب وقد كان هذا الاسم موضوعا عندهم لما يخبر به الإنسان عن غير حقيقة يقولون تقوف الرجل إذا قال الباطل قال جرير:

وطال حذارى خيفة البين والنوى ... وأحدوثة من كاشح متقوف

قال أهل اللغة أراد بقوله الباطل وقال آخر:

ومثل الدمى شم العرانين ساكن ... بهن الحياء لا يشعن التقافيا

أى التقاذف وإنما سمى التقاذف بهذا الاسم لأن أكثره يكون عن غير حقيقة وقد حكم الله بكذب القاذف إذا لم يأت بالشهود بقوله (لَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت