هذا الوصف الذي ذكرنا أعقب ضعافا في نفس بعض العلماء جعلهم يحملون القرآن على ما عند الغرب من العلوم، فمثلا الآيات التي فيها ذكر لبعض المعلومات الفلكية يجعلونها دليلا على صحة القرآن وأن القرآن سبق الغرب لذلك، وكذلك المعلومات الطبية أو المعلومات الغيبية وهكذا، ففسروا القرآن بتفسير عقلي خرجوا فيه عن التفاسير السابقة وعن تفاسير السلف وعما يجوز لأجل أن لا يتشكك الناس في القرآن وأن يقبل الناس القرآن وأن يعظموا القرآن، فأتى وفسر الآيات التي فيها بعض الكلام على الأجنّة في ما عند الغرب في ذلك وبعض الآيات الغيبية في الطب مثلا أو في الفلك أو في حال المطر أو ما أشبه ذلك أو في العيون في الأرض أو الأشجار أو النبات أو الجبال إلى غير ذلك بتفسيرات توافق ما عند الغرب من العلوم، وانهال الناس على محمد عبده ويحضرون تفسيره؛ لأنه جعل تفسيره فيه الإصلاح وجعل فيه جدة على ما كان عليه المفسرون من قبل، وضم إليه تلك التفاسير وانحرف في كثير منها إذْ جعل القرآن تبع لمكتشفات الغرب، ومن المعلوم أنّ تلك المكتشفات أو تلك النظريات تصلح في وقت وربما أتى ما هو أفضل منها فأبطل تلك النظرية أو ما هو أعمق بحثا واستقراء فصارت الأولى غير صحيحة، فحمل القرآن على النظريات العلمية وتفسير القرآن بالنظريات العلمية هذا لا يسوغ؛ لأنه حمل للقرآن الذي هو حق ثابت لا يتغير بشيء قد يتغير، نعم إنّ القطعيَّ لا يناقض قطعيا، واليقيني لا يناقض اليقيني فالعلم اليقيني لا يمكن أن يأتي في القرآن شيء بخلافه، وكذلك العلم القطعي لا يمكن أن يأتي في القرآن بخلافه، لكن تلك النظريات من أجل الضعف حُملت عليها آيات من القرآن، فنشأت في العصر الحديث أولى مدارس التفسير وهي تفسير القرآن بطريقة عقلانية يُجمع فيها ما بين مكتشفات الغرب والمكتشفات العصرية وما بين تفاسير المتقدمين، فجعلوا خليطا واهتموا بالأشياء الحديثة، وظهر لذلك تفسير طنطاوي جوهري وتفسير كما ذكرنا محمد عبده وفي خضم ذلك أنكرت بعض الغيبيات وفُسر القرآن بتفاسير باطلة، وأنكرت أشياء ظاهرة وكان في ذلك شيء من الانحراف في التفسير.
هذا نوع من مدارس التفسير التي ظهرت في العصر الحديث وسبب ظهور هذا النوع من التفاسير.