فهرس الكتاب

الصفحة 274 من 2735

وقد جاء في بعض الآثار أن من السنة توقير العالم، وهذا له شواهده العملية من هدي الصحابة رضوان الله عليهم.

فإذن الجِلسة أمام العالم لها أثر، والتكلم معه في طريقته له أثر على المتعلم وعلى العالم جميعا: أما أثره على المتعلم وهو أن يوطن نفسه على احترام العلم وأهله، وإذا العالم احترم العالم الذي يكون أمامه فإنه سيحترم العلماء الأولين، وكم رأينا من ذوي فضاضة وغلظة على العلماء الحاضرين فصاروا ذوي فضاضة وغلظة على العلماء العابرين السابقين، والأمر من جهة ما يَقَرُّ في نفس المتعلم واحد؛ فإذا تعلم الأدب في اللفظ فإنه يكون متأدبا في العلم وحمله.

كان رجلان أتيا إلى الأعمش أحدهما صاحب حديث والآخر ليس بصاحب حديث، فأغلظ الأعمش -وكان فيه نوع حدّة- على صاحب الحديث بكلام فيه غلظة، فلما انتهوا قال الآخر لصاحب الحديث في حضرة الأعمش: لو قال لي ما قال لك لم أحضر إليه أبدا. فقال الأعمش: أوَ يكون أحمق كمثلك يترك خيري الدنيا والآخرة لغلظتي. إذا كان هذا تركب في نفس بعض المشايخ أو في كلامه أو في طريقة تعامله أن فيه غلظة، فهل يترك المتعلم الأدب لأجل شدة الشيخ أو لأجل تعنيفه أو نحو ذلك؟ هذا ليس بصحيح لأن طالب العلم ما أخذ في طريق العلم إلا وهو مؤْثِر له على الدنيا مؤثر له على الراحة، ومن جملة الدنيا والراحة أن يكون الكلام معه دائما بعبارة لا تسوؤه، ولهذا يدخل ذلك في التأدب في اللفظ بحيث أنه إذا سأل يسأل متأدبا، ينتقي أحسن العبارات، وإذا تكلم في حضرة شيخه تكلم بأحسن العبارات، وإذا أراد المعلم أو الشيخ أن يعنف أو عنّف أو تكلم فإن ذلك الطالب يحتمله ولا يرد عليه مقالته.

من الأدب أيضا مع الشيخ الأدب في الأفعال: وهو أن لا يرى العالم طالب العلم على هيئة لا تحسن؛ في لباسه أو في مشيه أو في خفة في تصرفاته أو في نقص في الأدب معه وهو يكلمه فيكون معه في فعل حسن، قالوا ومن الآداب أن لا يمشي المتعلم بين يدي شيخه إلا بأمر شيخه، وأن يكون وقورا في مماشاة المشايخ غير مكثر للحديث غير مكثر للحركة، وهذا لا شك له أثر على المتعلم وعلى الشيخ فيما يفيد به المتعلم.

فإذن هذه الثلاث الأقوال والأفعال والجلسة، هيئة الجلوس لها أثر في إقبال المتعلم على العلم واحترامه أهله وفي إقبال المعلم على إفادة المتعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت