فإذن الفقيه العاقل هو الذي يعرف الحكم الأكثر خيرية ليحكم به ويدعى الناس إليه، والأكثر شرا لينهى الناس عنه وهذا الفقه هو الذي نحتاجه اليوم أكثر ليس حاجة إلى بثه فقط بل إلى تدريسه وإلى ترسيخه؛ لأنه إذا لم يؤصل مبدأ السياسة الشرعية وفقه السياسة الشرعية، وكيفية رعاية المصالح ودرء المفاسد فإنه لا نظر صحيح في الشرع أصلا.
لهذا نقول هنا أن طلبة العلم يجب عليهم أن يأخذوا بالقاعدة الصحيحة المتفق عليها وهي أن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها ودرء المفاسد وتقليلها. فالباب الذي فيه مصلحة موجودة أو مصلحة يرجى تفسيرها فهذا نجزم أن الشريعة جاءت بها والباب الذي فيه مفسدة موجودة أو مفسدة نخشى أن تكثر فنجزم أن الشريعة جاءت بوصفه في ذلك، وبحسب الحال قد لا نستطيع كل المصالح وقد لا نستطيع درء كل المفاسد للكن نجتهد أن نفتح ما نستطيع من المصالح وأن ندرأ ما نستطيع من المفاسد، وهذا هو الذي يوافق الأصول الشرعية، وهذه من القواعد العامة المتفق عليها وهي أن الشريعة جاءت لرعاية المصالح ودرء المفاسد.
على كل حال هذه كلمات موجزة في فقه يحتاج إلى دراسة وتأصيل وطول فقه الواقع من جهة التأصيل لقواعده ولضوابطه في فقه الأمة فقه النوازل فقه الفتن فقه الأزمات، حتى يكون نظرنا صحيحا، ونكون قد بلَّغنا عن الله جل وعلا رسالته وكلامه، أما النقل المجرد بما في الفقه أو بما يقوله فلان وفلان ونحو ذلك هذا لا يتميز به الفقيه عن غيره، ولا المجتهد عن غيره فإننا نحتاج إلى تجديد وإحياء إلى الكثير من أنواع الفقه الغائبة وذكرتُ أمثلة لذلك متعلقة بالفقه الأزمات والفتن.
أسأل الله جل وعلا أن يوفقني وإياكم لما فيه الرشد والسداد، وأن يجعلنا من حملة العلم ومحصليه الذين تبعوا سلفهم الصالح وأخذوا بالدليل وبالنظر المتفق مع ما عليه أهل السنة والجماعة بعموم أقوالهم وتفاصيلها إنه سبحانه جواد كريم، كما أسألهم سبحانه أن يوفق ولاة أمورنا لما فيه الخير والسداد وأن يجعلنا معهم من المتعاونين على البر والتقوى إنه سبحانه على كل شيء قدير.
وأكرر شكري لجميع إخواني الطلبة على هذا الحضور وعلى هذا الإنصات، وأسأل الله جل وعلا أن يجعلكم جميعا حاملين لراية الإسلام مدافعين عنه حاملين للدفاع عن هذه العقيدة وعن هذه السنة في موجات التكفير والتفجير والخلل في النظر لما يصلح الأمة، إنه سبحانه هو المسؤول أن يصلح الأحوال وأن يعود علينا بالعوائد الجزيلة.