فإذا كانت مسائل علمية ولو كان يتعلق بالاعتقاد وموقف الحدث الفلاني قد يختلف الناس، هؤلاء ينظرون من جهة، وهؤلاء ينظرون من جهة، وكل مجتهد في الخير إن شاء الله، فإذا وقع هذا فلا ينبغي أن يضلل بعضهم بعضا إذا لم يخالف الدليل أو كان وجهته في تحقيق المناط قريبة ليست بعيدة، ولا ينبغي أن يضلل بعضهم بعضا وأن يبغي بعضهم على بعض؛ لأنه من أعظم ما يكون من نتيجة الفتن أن يبغي بعض الأمة على بعض، وخاصة طلبة العلم وأهل العلم، كونهم يختلفون في مسألة، يروح هذا يسب هذا وهذا يسب الآخر ويذم بعضهم بعضا، وكل يجرم الآخر ويحمل قوله على فساد في النية وعلى فساد في القصد وعلى فساد، دون رؤية بحقيقة الأمر، وما توخاه هذا وما توخاه ذاك، وما جعله في تحقيق مناط الحكم هنا وهنا إن هذا يوقع في البغي.
وكما ذكر شارح الطحاوية ومر معنا في أواخر شرح الطحاوية أنه ما وقعت الاختلافات في الأمة ولا وقع بأس الأمة بعضها على بعض إلا من سببين عظيمين:
الأول التأويل.
والثاني البغي.
يتأول ثم بعد ذلك يبغي بعضهم على بعض.
لقي الشافعي رحمه الله تعالى عالما من علماء الحنفية أو نحو ذلك، عالما من العلماء، فناظره في مسألة فلم يتفقا، فلما تقابلا -وقد ذكرها الذهبي في سير أعلام النبلاء في ترجمة الشافعي في أول المجلد العاشر- فلما تقابلا أخذ الشافعي مبتدرا يد أخيه وقال: له ألا نكون إخوانا وإن اختلفنا في مسألة، ما الذي يضر، إذا لم يكن مخالفة لدليل ظاهر بيّن، إنما في تحقيق المناط اختلفوا تمثيل، اختلفوا في رؤية المصالح، ألا يكون إخوانا طلبة اعلم لابد أن يكونوا كلهم على شكل واحد وقول واحد، هذا قد لا يتيسر.
فهنا إذا اختلف أهل العلم يعذر بعضهم بعضا إذا كانت المسألة في المسائل الاجتهادية، وفيما لا يترتب عليه عمل للناس ويترتب عليه فتنة ونحو ذلك، وهذا أيضا قاله الإمام أحمد رحمه الله قال: إسحاق أخونا وإن كان يخالفنا في مسائل.
ولهذا ينبغي أن يتعلّم طالب العلم ويوطّن نفسه أن يتلقى من غيره ردّا عليه، أو أن يتلقى من طالب العلم الآخر نقدا له وتخطئة وربما شدة عليه.