قلنا أن أبا مسلم الاصفهاني المعتزلي من وفيات 459 هجري أنكر النسخ ووقع خلاف في معنى إنكاره فقيل إنه لم ينكر أصل وقوعه عقلا وإنما أنكر وجوده في النصوص الشرعية وقيل العكس وقيل إنه أنكر النسخ فقط.
استهجن أهل العلم حتى المعتزلة هذا القول فقال صاحب المعتمد أبو الحسين البصري وهو معتزلي: اتفق المسلمون على حسن نسخ الشرائع إلا حكاية شاذة عن بعض المسلمين. وقال الشوكاني في إرشاد الفحول: النسخ جائز عقلا وواقع شرعا بلا خلاف في ذلك بين المسلمين إلا ما يروى عن أبي مسلم الاصفهاني فإنه قال إنه جائز غير واقع وإذا صح هذا عنه فهو دليل على أنه جاهل بهذه الشريعة المحمدية جهلا فظيعا وأعجب من جهله بها حكاية من حكى عنه الخلاف في كتب الشريعة فإنه إنما يعتد بخلاف المجتهدين لا بخلاف من بلغ في الجهل إلى هذه الغاية وعلى كلا التقديرين فذلك جهالة منه عظيمة للكتاب والسنة ولأحكام العقل فإنه إن اعترف بأن شريعة الإسلام ناسخة لما قبلها من الشرائع فهذا بمجرده يوجب عليه الرجوع عن قوله.
فائدة: لا يلزم من كل ما يمنع عقلا أن يقع شرعا وكل ما وقع شرعا يلزم منه أن يقبله العقل فلا معارضة بين النص الصريح والعقل الصحيح وإذا حصلت المعارضة نتهم العقل قال الراسي في أحكام القرآن: إذا جالت النصوص في ميادين الكفاح طارت العقول على أسنة الرماح. انتهى كلامه فمثلا رؤية الله في الدنيا غير واقعة شرعا لما ثبت في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم -"لن ير أحدكم ربه حتى يموت"أما عقلا فهي واقعة وجائزة لأن الله أخبر موسى برؤيته بشرط استقرار الجبل وكان بالإمكان استقرار الجبل أما في الآخرة فالرؤية واقعة شرعا وعقلا.
قال الشيخ مشهور: ما الذي يمنع أن السيد يأمر الآن بأمر ثم بعد حين يأمر بأمر آخر وما الذي يمنع صدور أوامر مختلفة في أوقات مختلفة لأشخاص مختلفين فكما أن الله أمر اليهود والنصارى بأشياء وأمر المسلمين بأشياء فلا يمنع أن يأمر المسلمين في أول الأمر بأشياء ثم في آخر الأمر يستقر الحال على أشياء أخرى.
وقال الآمدي: وقد اتفق أهل الشرائع على جواز النسخ عقلا وشرعا ولم يخالف في ذلك من المسلمين سوى أبي مسلم الاصفهاني فإنه منع من ذلك شرعا وجوّزه عقلا. وقال الرازي في المحصول: اتفقت الأمة على جواز نسخ القرآن وقال أبو مسلم الاصفهاني لا يجوز.
يمكن تعريف النسخ بأنه: رفع حكم شرعي عملي جزئي ثبت بالنص بحكم شرعي عملي جزئي ثبت بالنص ورد بخلافه في وقت متأخر عنه ليس متصلا به.
من خلال التعريف يمكن معرفة شروط النسخ وهي:
1 -أن يكون الحكمان شرعيين: فالحكم العقلي والعادة وسنة الله في الأقوام وما شابه لا ينسخ.
2 -أن يكونا عمليين أي ليس في العقيدة.
3 -أن يكونا جزئيين فلا تنسخ قاعدة من قواعد الشريعة الكلية.
4 -أن يكونا ثابتين بالنص.
5 -أن يكونا متناقضين في المعنى: التناقض غير التضاد؛ المتناقضان لا يجمع بينهما أما المتضادان يجمع بينهما، فالناسخ والمنسوخ العلاقة بينهما التناقض فإن ظهر تعارض في بادئ الرأي ثم وفقنا بينهما وأعملنا كلا منهما هذا لا يسمى نسخا لأنه ما رفع حكم واحد منهما لذا اشترط في الحكمين أن يكونا متناقضين.