العلم لا يراد به إلا وجه الله ولا يلتمس به إلا رضوان الله فمن كمل إخلاصه لله فإن الله يوفقه ويسدده ويرحمه ويجعل علمه نفعًا له في دينه ودنياه وآخرته ، ما الذي انتفع به السلف الصالح وأئمة الأخيار بعد الإيمان بالله-- عز وجل -- بشيء مثل الإخلاص لوجهه الكريم اطلع الله إلى قلوبهم فوجد فيها إرادة وجهه وابتغاء مرضاته ففتح لهم من أبواب رحمته ، ويسَّر لهم من العلم ما بلغوا به المبلغ العظيم فماتوا وما مات علمهم وارتحلوا وما ارتحلت فضائلهم ومآثرهم لماَّ علم الله إخلاصهم بقيت كتبهم كأنها كتبت بالأمس القريب وبقيت علومهم تغشاهم بها الرحمات آناء الليل وأطراف النهار .
الإخلاص لوجه وأي مجلس تجلس فيه تريد أن تتعلم أو تُعلَّم وتجلس وليس في قلبك إلا الله-- سبحانه وتعالى -- وتستحي من الله-- سبحانه وتعالى -- إذ علمَّك وفهمَّك وأجلسك مجالس الرحمة أن ترجو غيره أو تلتمس رضوان أحد سواه فاجعل عملك خالصًا لله ليس فيه لإحد سواه أي حظ ولا نصيب .
ومن أمارات هذا الإخلاص ودلالته وعلاماته المشهورة أنك تجد المخلص في العلم زاهدًا في الدنيا كثير الطمع في الآخرة ، زاهدًا في الدنيا فلا يبحث عن سمعة ولا يبحث عن رياء ولا يلتمس رضوان أحد غير الله-- جل جلاله -- ، وكذلك شديد الطمع في الآخرة يصبر ويكافح ويجاهد في طلب العلم لا تثنى له عزيمة ولا تنكسر له شوكة ولا يصرف وجهه عن الوجهة التي علم فيها رضوان الله العظيم حتى يبلغ غايته التي يريدها وينشدها وهذا هو النهم الذي أشار إليه النبي-- صلى الله عليه وسلم -- بقوله: (( منهومان لا يشبعان طالب علم وطالب دنيا ) )فطالب العلم المخلص لوجه الله لا تفتر له عزيمة ولا يضعف ولايكل ولا يسأم من طلب العلم ؛ لأنه يعلم ما وراء هذا التعب والنصب من رضوان الله العظيم ويعلم أن هذا الشيء الذي يتعب وينصب ويكدح من أجله أن فيه محبة الله وفيه الدرجات العلى عند الله-- سبحانه وتعالى -- .