الصفحة 6 من 26

بالعلوم التي هي آلات علم الكتاب والسنة من نحو وصرف وبيان وأصول ولغة وعدم إخلالهم بما عدا ذلك من العلوم العقلية ولو لم يكن لهم من المزية إلا التقيد بنصوص الكتاب والسنة وطرح التقليد فإن هذه خصيصة خص الله بها أهل هذه الديار في هذه الأزمنة الأخيرة ولا توجد في غيرهم إلا نادرا، ولا ريب أن في سائر الديار المصرية والشامية من العلماء الكبار من لا يبلغ غالب أهل ديارنا هذه إلى رتبته ولكنهم لا يفارقون التقليد الذي هو دأب من لا يعقل حجج الله ورسوله، ومن لم يفارق التقليد لم يكن لعلمه كثير فائدة، وإن وجد منهم من يعمل بالأدلة، ويدع التعويل على التقليد فهو القليل النادر كابن تيمية وأمثاله.

وإني لأكثر التعجب من جماعة من أكابر العلماء المتأخرين الموجودين في القرن الرابع، وما بعده كيف يقفون على تقليد عالم من العلماء، ويقدمونه على كتاب الله وسنة رسوله، مع كونهم قد عرفوا من علم اللسان ما يكفى في فهم الكتاب والسنة بعضه، فإن الرجل إذا عرف من لغة العرب ما يكون به فاهما لما يسمعه منها صار كأحد الصحابة الذين كانوا في زمنه صصص وآله وسلم، ومن صار كذلك وجب عليه التمسك بما جاء به رسول الله صصص وآله وسلم، وترك التعويل على محض الآراء، فكيف بمن وقف على دقائق اللغة وجلايلها أفرادا وتركيبا وإعرابا وبناء، وصار في الدقائق النحوية والصرفية والأسرار البيانية والحقائق الأصولية بمقام لا يخفى عليه من لسان العرب خافية، ولا يشذ عنه منها شاذة ولا فاذة، وصار عارفا بما صح عن رسول الله صصص وآله وسلم في تفسير كتاب الله، وما صح عن علماء الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى زمنه وأتعب نفسه في سماع دوادين السنة التي صنفتها أئمة هذا الشأن في قديم الأزمان، وفيما بعده فمن كان بهذه المثابة كيف يسوغ له أن يعدل عن آية صريحة أو حديث صحيح إلى رأى رآه أحد المجتهدين حتى كأنه أحد العوام الأعتام الذين لا يعرفون من رسوم الشريعة رسما فيالله العجب إذا كانت نهاية العالم كبدايته،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت