موقفه من الجدال والقياس في الدين:
درج الإمامُ جعفرُ بنُ محمدٍ رحمةُ اللهِ عليه على ما درج عليه أجدادُهُ - من النبي عليهِ السلامُ، والصديقِ، وعلي بنِ أبي طالبٍ، وعمومِ الصحابةِ والتابعين وتابعيهم - من التحذيرِ من الجدالِ والمراءِ في الدينِ وفي كتابِ اللهِ وشرائعهِ. وهذا الأمرُ - أعني التحذيرَ من الجدالِ وتوابعهِ وآثارهِ على الدينِ والقلوبِ - من الأمورِ المسلمةِ عند المسلمين، مضى على التحذيرِ منهُ والتشديدِ فيه صدرُ الأمةِ وسلفُها الصالحُ في كل قرنٍ إلى عصرنا هذا ممن تبع السلفَ في مذهبهم، ومضى على منهجهم ومنوالهم.
ومن أقوالِ الإمامِ الصادقِ في هذا، مارواهُ الذهبي بسندهِ إلى عَنْبَسَةَ الخَثْعَمِيُّ - وَكَانَ مِنَ الأَخْيَارِ - سَمِعْتُ جَعْفَرَ بنَ مُحَمَّدٍ، يَقُوْلُ: إِيَّاكُم وَالخُصُومَةَ فِي الدِّيْنِ، فَإِنَّهَا تَشغَلُ القَلْبَ، وَتُورِثُ النِّفَاقَ.
وهذه العبارةُ تواترت في الحقيقةِ عن جمعٍ كبيرٍ من أئمةِ السلفِ رحمهم اللهُ، تناقلها العلماءُ في كتبِ أصولِ السنةِ في هذا البابِ.
فهذا نموذجٌ في ذمِ الجدالِ؛ وهو المراءُ وطلبُ المغالبةِ، ومستلزمٌ للخصومةِ في الدينِ.
ومن ذمهِ للقياسِ قصةٌ رواها أبو نعيمٍ في"الحلية"بسنده إلى عمرو بنِ جميعٍ، قال: دخلتُ على جعفرِ بنِ محمدٍ أنا وابنُ أبي ليلى وأبو حنيفة، وقال عبدُ اللهِ بنُ شُبرمةَ الكوفي - وهو ثقةٌ فقيهٌ من أقرانِ الصادقِ - قال: دخلتُ أنا وأبو حنيفة على جعفرِ بنِ محمدٍ، فقال لابنِ أبي يعلى: من هذا معك؟ قال: هذا رجلٌ له بصرٌ ونفاذٌ في أمرِ الدينِ. قال: لعلهُ يقيسُ أمرَ الدينِ برأيهِ. قال: نعم، قال: فقال جعفرُ لأبي حنيفةَ: ما اسمك؟ قال: نعمان. قال: يا نعمانُ، هل قست رأسَك بعدُ؟ قال: كيف أقيسُ رأسي؟!، قال: ما أراك تحسنُ شيئًا،