ثالثًا: أن إبراهيم ـ - عليه السلام - ـ رغم أنه رسول إلا أنه يخشى أن تكون له خطيئة قال تعالى: { والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين } فأقصى ما يطمع فيه إبراهيم ـ - عليه السلام - ـ النبي الرسول الذي يعرف ربه هذه المعرفة ، ويشعر بربه هذا الشعور ، ويحس في قرارة نفسه هذه القربى أقصى ما يطمع فيه أن يغفر له ربه خطيئته يوم الدين ، فهو لا يبريء نفسه ، وهو يخشى أن تكون له خطيئة ، وهو لا يعتمد على عمله ولا يرى أنه يستحق بعمله شيئًا ، إلا أنه يطمع في فضل ربه ويرجوا رحمته وهذا وحده هو الذي يطمعه في العفو والمغفرة ، إنه شعور التقوى ، وشعور الأدب ، وشعور التحرج ، وهو الشعور الصحيح بقيمة نعمة الله وهي عظيمة ـ عظيمة وقيمة عمل العبد وهو ضئيل ضئيل ، وهكذا يجمع إبراهيم ـ - عليه السلام - ـ في صفة ربه عناصر العقيدة الصحيحة: توحيد الله رب العالمين ، والإقرار بتصريفه للبشر في أدق شؤون حياتهم على الأرض ، والبعث والحساب بعد الموت ، وفضل الله ، وتقصير العبد وهي العناصر التي ينكرها قومه وينكرها المشركون ثم يأخذ إبراهيم الأواه المنيب في دعاء رخي مديد يتوجه به إلى ربه في إيمان وخشوع .
رابعًا: أن الهمم العالية تطلب ما طلبه إبراهيم ـ - عليه السلام - ـ وتعيش من أجله قال تعالى: { رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين * واجعل لي لسان صدق في الآخرين * واجعلني من ورثة جنة النعيم * واغفر لأبي إنه كان من الضالين * ولا تخزني يوم يبعثون * يوم لا ينفع مال ولا بنون * إلا من أتى الله بقلب سليم } والدعاء كله ليس فيه طلب لعرض من أعراض هذه الأرض ، ولا حتى صحة البدن إنه دعاء يتجه إلى أفاق أعلى ، تحركه مشاعر أصفى ، ودعاء القلب الذي عرف الله فأصبح يحتقر ما عداه ، والذي ذاق فهو يطلب المزيد ، والذي يرجوا ويخاف في حدود ما ذاق وما يريد ويتضمن هذا الطلب ما يلي: