ومن الوسائل التي كان يتذرع بها بعض العباد لطرد الأفكار الضارة التي تثير الشهوات ونزغات النفس ونزواته أن يجلدوا حتى تدمى جسومهم. بهذا وبأمثاله يستطيع الرجل أن يغلب فكرة على أخرى ويدخلها في نفسه عنةً واقتدارًا ويجعلها تسير بذهنه إلى وجهة غير التي كان متجهًا نحوها.
ومما يعين على الوصول إلى تلك الغاية ناموس الحافظة إذ من المعلوم أن ما يراد حفظه في الحافظة يجب أن يكرر تكرارًا كثيرًا في كل آونة حتى ينطبع فيها وينتقش ويحمي سطور ما تقدمه ويعفي أثره ويحل محله بشرط أن يكون هذا التكرار مقترنًا بالإنتباه التام ونشاط النفس وارتياحها، بذلك يطرد الإنسان أفكارًا قديمة ويستعيض عنها بأفكار حديثة، ثم إن دقائق الدماغ التي ولدت تلك الأفكار التي طردناها وحكمنا عليها بألا تعود تضعف وتضمر ثم تزول كلها وتجر معها جميع الأفكار التي كانت تتولد منها. الخلاصة أن في وسع المرء أن يسيطر على أفكاره فيقتلع البذور الفاسدة منها والبقعة التي تنبت فيها تلك البذور وتذكو وتترعرع.
وإذا رمت عكس ما تقدم أي أنك تريد الإحتفاظ بسلسلة من الأفكار موجودة في ذهنك وتود أن تبقى وتنمو وتشتد فما عليك لإدراك هذه الغاية إلا أن تجتهد في إبعاد كل ما من شأنه أن يمثل لذهنك ويلم فيه من المبصرات أو المسموعات أوغيرها وذلك بملازمة السكون التام والصمت وإغماض العينين إذا كانت سلسلة الأفكار التي لديك لينة مرنة لا تحتمل مصارعة. ولك أن تستعين ببعض الأحوال التي تفيدك فيما تنشده ولاسيما النطق بالعبارات التي تعبر عن الفكرة التي تريد الإحتفاظ بها والجهر بها ثم تقيدها بالكتابة. وللكتابة شأن خطير لا يستهان به في التفكير الطويل فإنها عدة للذهن تعينه على التفكير باستخدامه آلتي البصر واليد. ولقد انطبعت في نفسي عادة اكتسبتها من ممارسة صناعتي وهي أنني لا أقرأ شيئًا إلا حافظت أشد محافظة على تأدية حروفه من مخارجها وجهرت بصوتي في القراءة فتتأصل بذلك في نفسي كل فكرة وترسخ بواسطة ثلاث عوامل بل أربع إذ من المتعذر أن يقول الإنسان قولًا بلسانه ولا يسمعه بأذنه.
وقصارى ما نقول أن سيطرتنا على أفكارنا وسلطتنا عليها لما تأتيان من سيادتنا على عضلاتنا وإمكاننا تحريكها بإرادتنا ولاسيما عضلات الحواس الخمس ومن جملتها