المراجع في فرناس ومرداس ومرناس وقرناس. انتقل إلى ما كان من مؤمن بن سعيد من شعراء قرطبة. وسخريته من أبي القاسم يوم قال للأمير محمد من أبيات:
رأيت أمير المؤمنين محمدا ... وفي وجهه بذر المحبة يثمر
فقال له مؤمن قبحًا لما ارتكبت. جعلت وجه الخليفة محرثًا يثمر فيه البذر فخجل وسبه، وكان ابن فرناس من قبل ذلك نحوياًَ وأثبت ذلك السيوطي واعتمد على المؤرخ الأندلسي أبي بكر الزبيدي. وكان أول من فك بقرطبة كتاب العروض للخليل. وأول من فك الموسيقى وأول من استنبط بالأندلس صناعة الزجاج من الحجارة. وصنع الآلة المعروفة بالثقال ليعرف الأوقات على غير رسم ولا مثيل.
وصنع في بيته هيئة السماء. وخبل للناظر فيها النجوم والغيوم والبروق والرعود فلم يسلم أبو القاسم من سخرية مؤمن بن سعيد. ولا نجا من بذاءة لسانه.
واحتال في تطيير جثمانه فكسا نفسه الريش ومد له جناحين وطار في الجو مسافات بعيدة ولكنه لم يحسن الاحتيال في وقوعه فتأذى في مؤخره. وقال المقري إنه لم يدر أن الطائر يقع على زمكه. ولم يعمل له ذنبًا، وفيه قال مؤمن بن سعيد:
يطم على العنقاء في طيرانها ... إذا ما كسا نفسه ريح قشعم
وفي هذا البيت شهادة لأبي القاسم لا تدفع ولا ترد. إذ جاءت من عدو حانق مهتاج ومن ذلك نستخلص أن أبا القاسم في القرن التاسع من التاريخ المسيحي لم ينجح فقط في تطيير جثمانه في القضاء بل استطاع كذلك أن يقوم بسياحة هوائية.
فليسمع الغربيون. ولتطب نفسًا أبناء العرب!.
وأعجب ما كان في هذه الأيام من الرحلات الجوية. رحلات الطيارين الفرنسيين دوكور، وفدرين، وبونييه، من باريس إلى القاهرة عن سماء الشآم. ورحلة الطائر الإنجليزي ما كان عن سماء البحر المتوسط. وكلتا الرحلتين تعد من المهارة الفائقة كل حد.
والآن اسمع ما كتب الطيار دوكوريصف ما عاناه في جبال طوروس قال:
بدأت أسير بضعة أمتار محاذيًا هذا الطود الأشم. كما تحوم البعوضة حول ثغرة في السقف. ولكن لم ألبث أن وجدت صدعًا في الصخور قد اختفى عاليه في السحاب المركوم والغيم المتكاثف فلما عرفت أني في الوادي الذي يحاذي الخط الحديد الذي يجري الألمان