الصفحة 433 من 511

وَلَوْ كَانَتِ النَّارُ أَحْرَقَتِ الصَّحِيفَةَ، أَوْ ذَهَبَ بِهَا الْمُنَافِقُونَ، كَانَ الْعَجَبُ مِنْهُمْ أَقَلَّ. وَاللَّهُ تَعَالَى يُبْطِلُ الشَّيْءَ إِذَا أَرَادَ إِبْطَالَهُ بِالضَّعِيفِ وَالْقَوِيِّ. فَقَدْ أَهْلَكَ قَوْمًا بِالذَّرِّ، كَمَا أَهْلَكَ قَوْمًا بِالطُّوفَانِ، وَعَذَّبَ قَوْمًا بِالضَّفَادِعِ، كَمَا عَذَّبَ آخَرِينَ بِالْحِجَارَةِ وَأَهْلَكَ نَمْرُوذَ بِبَعُوضَةٍ، وَغَرَّقَ الْيَمَنَ بِفَأْرَةٍ.

إِكْمَالُ الدِّينِ بِظُهُورِهِ عَلَى الشِّرْكِ:

وَأَمَّا قَوْلُهُمْ:"كَيْفَ يَكْمُلُ الدِّينُ، وَقَدْ أَرْسَلَ عَلَيْهِ مَا أَبْطَلَهُ؟".

فَإِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ، نَزَلَتْ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، حِينَ أَعَزَّ اللَّهُ تَعَالَى الْإِسْلَامَ، وَأَذَلَّ الشِّرْكَ، وَأَخْرَجَ الْمُشْرِكِينَ عَنْ مَكَّةَ، فَلَمْ يَحُجَّ فِي تِلْكَ السَّنَةِ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَبِهَذَا أَكْمَلَ اللَّهُ تَعَالَى الدِّينَ، وَأَتَمَّ النِّعْمَةَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.

فَصَارَ كَمَالُ الدَّيْنِ -هَهُنَا- عزه وظهوره، وذل الشّرك ودروسه.

لَا تَكَامُلَ الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ، لِأَنَّهَا لَمْ تَزَلْ تَنْزِلُ إِلَى أَنْ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهَكَذَا قَالَ الشَّعْبِيُّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ.

وَيَجُوزُ أَنَّ يَكُونَ الْإِكْمَالُ لِلدِّينِ، بِرَفْعِ النَّسْخِ عَنْهُ بَعْدَ هَذَا الْوَقْتِ.

وَأَمَّا إِبْطَالُهُ إِيَّاهُ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَنْزَلَهُ قُرْآنًا، ثُمَّ أَبْطَلَ تِلَاوَتَهُ، وَأَبْقَى الْعَمَلَ بِهِ، كَمَا قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي آيَةِ الرَّجْمِ، وَكَمَا قَالَ غَيْرُهُ فِي أَشْيَاءَ كَانَتْ مِنَ الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ فَذَهَبَتْ.

وَإِذَا جَازَ أَنْ يَبْطُلَ الْعَمَلُ بِهِ وَتَبْقَى تِلَاوَتُهُ، جَازَ أَنْ تَبْطُلَ تِلَاوَتُهُ وَيَبْقَى الْعَمَلُ بِهِ.

وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَنْزَلَهُ وَحْيًا إِلَيْهِ كَمَا كَانَ تَنْزِلُ عَلَيْهِ أَشْيَاءُ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ. وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ قُرْآنًا كَتَحْرِيمِ نِكَاحِ الْعَمَّةِ عَلَى بِنْتِ أَخِيهَا، وَالْخَالَةِ عَلَى بِنْتِ أُخْتِهَا وَالْقِطَعِ فِي رُبْعِ دِينَارٍ، وَلَا قَوْدَ عَلَى وَالِدٍ وَلَا عَلَى سيد، وَلَا مِيرَاث لقَاتل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت