ورب طالب يتوقد ذكاءً ولكنه ينقطع عن طلب العلم، أو يسأم، فلا يفلح فيه، وأبو هريرة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- يقول: لقد كنت امرأً مسكينًا ألزم رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمْ- على ملء بطني، فصار أبو هريرة حافظ الصحابة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-، وسفيان بن عيينة لازم عمرو بن دينار نحو عشرين سنة فصار أثبت الناس فيه، ومحمد بن جعفر (غندر) لازم شعبة عشرين سنة فصار كتابه هو الحكم في حديث شعبة، ويكون ذلك مع محبة العلم والرغبة فيه، ولقد أحسن من قال:
سهري لتنقيح العلوم ألذ لي ... من وصل غانية وطول عناقِ
وتمايلي طربًا لحل عويصةٍ ... أحلى وأشهى من مدامة ساقي
وصرير أقلامي على أوراقها ... أحلى من الدوكاة والعشاقِ
وألذ من نقر الفتاة لدفها ... نقري لألقي الرمل عن أوراقِ
أأبيت سهران الدجى وتبيته ... نومًا وتبغي بعد ذاك لحاقي
وشعبة بن الحجاج رحمه الله يقول في حديث: لو صح لي لكان أحب إلي من أهلي ومالي وولدي والناس أجمعين، وتكون أيضًا بعيدًا عن المشاكل والشواغل التي تشغلك عن طلب العلم.
هذا وإني أنصحك أيها الطالب! بالاهتمام بكتب علمائنا المتقدمين مثل: الأمهات الست ومسند أحمد وغيرها من كتب علمائنا رحمهم الله، وليس معناه ألا تستفيد من كتب أهل السنة المتأخرين.
وهكذا أنصحك بالتخصص بعد أن تلم بما تحتاج إليه من العلوم الدينية، والتخصص له أصل، ففي"الصحيحين": عن حذيفة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قال: كان الناس يسألون رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمْ- عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني. فذكر الحديث، وأقره النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمْ- على ذلك.